من واشنطن إلى ديربورن: رحلة البحث عن مجلس حسيني

خاصّ مجلّة رياض الزهراء(عليها السلام)
عدد المشاهدات : 6

حين تبعد الأوطان فإنّ الإمام الحسين (عليه السلام) يكون الوطن الآمن والملاذ الخالد للروح، تختلف اللغات ولا يختلف صوت الحسين (عليه السلام)، فمثلما سمعت جميع الخلائق واعيته، فأنّا مفطورون على محبّته وندين بها. تحيي الشعائر الحسينية أجيال وُلدوا في أقاصي الأرض، لم يخطر على قلب المهاجرين أن يصلوا إليها، لكنّ الانتماء إلى أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) لا تحدّه جغرافيا، ولا تطفئه السنوات، فيجتمع المحبّون في ظلّ اسمه الشريف، فيصنعون من الغربة عزاءً، ومن الحنين رسالة حيّة تتوارثها القلوب، ومن هذه الأجواء الحسينية المفعمة بالحزن والإيمان جاء حوارنا مع السيّدة (داليا عيسى الياسري) المقيمة في الولايات المتّحدة الأميركية بشأن الشعائر الحسينية في تلك البلاد، لاسيّما مدينة (Detroit)، فتوجّهنا إليها بالأسئلة الآتية: 1- كيف تعرّفت على المراكز الدينية والحسينيّات عندما وصلت إلى الولايات المتّحدة الأميركية؟ هاجرنا إلى هذا البلد قبل (25) سنة، وتنقّلنا بين أكثر من ولاية، وأول ما أفعله حين نصل لأيّ ولاية هو البحث عن المراكز الدينية التي تحيي الشعائر الحسينية وتقيم مراسيم العزاء مواساةً لأهل البيت (عليهم السلام)، حتى لو استوجب الأمر قيادة السيارة لساعات طويلة للوصول إلى أقرب مجلس حسينيّ مثلما كان الحال عندما كنّا نسكن في العاصمة (Washington)، وكنتُ يومها أمًّا لطفلة لا يتجاوز عمرها العام الواحد، إذ كان الحنين إلى الإمام الحسين (عليه السلام) هو الذي يدفعنا لاستذكار مصيبته ومواساته، وفي الحقيقة هو من يواسينا في غربتنا، فهو أبو الغرباء، وأبو الأحرار، وأبو الشهداء، وكلّ من ينتسب إلى الإنسانية بمعناها النبيل ينتسب روحيًا إلى مولانا الإمام الحسين (عليه السلام)، هكذا نجتمع على محبّته من مختلف البلدان واللغات. 2- هل وجدت أنّ الشعائر الحسينية هنا تختلف عنها في العراق؟ الجواب عن هذا السؤال محرج بعض الشيء؛ لأنّني عشت مرحلة الطفولة والصبا في العراق على عهد النظام السابق، وكان الموالون الذين يقيمون الشعائر الحسينيّة يتعرّضون للكثير من المضايقات، ممّا كان يجبرنا على التكتم عند حضور تلك المجالس، لكنّني لا أظنّ أنّ هناك فرقًا كبيرًا، فالولاء لأهل البيت (عليهم السلام) هو هو، سواء في العراق أو في العالم الغربي، فهنا أيضًا نقوم بإعداد كميّات كبيرة من الطعام ويستمرّ توزيعها طوال أيّام شهر محرّم الحرام، وتُقام مجالس العزاء للنساء، إضافة إلى المجالس الخاصّة بالأطفال، فهنا نركّز كثيرًا على هذه الفئة؛ لنعرّفهم على القضية الحسينية. 3- أطفالكم وُلدوا في المهجر، فكيف تعرّفونهم على قضيّة الإمام الحسين (عليه السلام)؟ إنّ الأمر الجميل في المراكز الدينية والحسينيات في بلاد المهجر أنّها تركّز تركيزًا كبيرًا على فئة الأطفال في مختلف مراحلهم العمريّة، فكلّ مجلس نحضره يبدأ دائمًا بمحاضرة باللغة الإنجليزيّة مخصّصة للأطفال، ابتداءً من عمر (10) سنوات حتى عمر (18-19) سنة، أمّا الأطفال الأصغر سنًّا، فلهم صفوف خاصّة بهم، وتُشرح لهم القضية الحسينية بطرق مبسّطة ولطيفة مدعّمة بالمجسّمات والرسوم التي تجسّد واقعة الطفّ إلى جانب الشروح التوضيحية، وكذلك يوجد ما يُعرف بمجالس (الطلائع)، وهي مجالس مخصّصة للفتيات البالغات سنّ التكليف الشرعي، وتُلقى فيها المحاضرات باللغتين الإنجليزية والعربية، وأتذكّر أولادي وهم يجلسون ويستمعون إلى المحاضرة باللغة الإنجليزية، فيبكون بشدّة ويتأثّرون كثيرًا، لاسيّما مع فاجعة الطفل الرضيع، وبعدها يطلبون منّي زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، فنزوره عن بُعد. 4- ما الأسباب التي تجعل محبّي الإمام الحسين (عليه السلام) يقصدون مدينة (Detroit) من ولايات أخرى؟ وجود الكثير من أبناء الجالية العراقية الموالية لأهل البيت (عليهم السلام) هو السبب الرئيس، وتشترك معهم جاليات أخرى من مختلف الجنسيّات، تجتمع لإقامة العزاء واستذكار واقعة كربلاء، فيفتح الجميع بيوتهم أمام المعزّين الوافدين من الولايات الأخرى، الذين يحرصون على الحضور في المجالس من أجل الاستماع إلى المحاضرات التي تُقدّم في المراكز الدينية في مدينة (Detroit)، ويتعاونون لتنظيم مراسيم العزاء، فتنتشر مظاهر الحزن والحداد في المدينة، وتُحمل الرايات السوداء التي خُطّت عليها شعارات الولاء في المسيرة العزائيّة التي تنطلق بعد قراءة قصّة مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم العاشر من محرّم الحرام، ثم يتجمّع المعزّون في منتزه المدينة الكبير، إذ نبدأ بتوزيع الطعام والماء. وهناك مسيرة عزائية تنطلق من مركز دينيّ في مدينة (Dearborn) تضمّ آلاف المشاركين الذين يردّدون الهتافات الحسينية التي تعبّر عن الولاء للإمام الحسين (عليه السلام) ونصرته، والتذكير بمظلومية أهل البيت (عليهم السلام). 5- هل يشارك في المسيرات أشخاص من الأديان الأخرى؟ نعم، فيوم المسيرة هو يوم الأحرار، يحضر عدد كبير من أبناء الأديان الأخرى للمشاركة فيها، وقبل المسيرة يحضرون في المراكز الدينية للاستماع إلى المحاضرات التي تشرح سيرة الإمام الحسين (عليه السلام)، وقضيته، وبعضهم اعتنق الإسلام واتّبع أهل البيت (عليهم السلام) بسبب حبّهم للإمام الحسين (عليه السلام). وهناك مسيرة أخرى تُنظّم في يوم أربعين الإمام الحسين (عليه السلام)، وتكون أعداد المشاركين فيها ضخمة جدًا، وأنا أحرص على المشاركة في كلا المسيرتين في كلّ عام، مثلما يحضر عناصر من الشرطة لتأمين الطريق في الليالي التي تسبق يوم العاشر من المحرّم، وكذلك يحضر ممثّلون عن البلديّة، وتحضر وكالات إعلام محلّية لتغطية الحدث. 6- ما الآية القرآنيّة التي تحبّين أن تهديها لروح الإمام الحسين (عليه السلام)؟ أهدي لمقامه الشريف كلّ ما أقرأ من آيات القرآن الكريم، لاسيّما هذه الآية: )يوم لا يُخزي اللّهُ النّبيّ والّذين آمنُوا معهُ نُورُهُم يسعىٰ بين أيديهم وبأيمانهم يقُولُون ربّنا أتمم لنا نُورنا واغفر لنا إنّك علىٰ كُلّ شيءٍ قديرٌ( (التحريم:8).