همس خفي لسلوك سوي

خلود ابراهيم البياتي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 7

عالم صاخب يعجّ بأزيز تصادم الأفكار المتناثرة التي يتشبّث بها أصحابها كطوق نجاة وهمي في محاولة للخلاص من ضوضاء المحيط، ثم في لحظات تنحسر كلّ تلك الأصوات لتبدأ الحكاية بهمسات خفيّة كنسمات الصباح الرقيقة فتأخذ بيد صاحبها إلى برّ الأمان. ذلك الصوت الذي لا تسمعه الأذن، بينما له وقع كبير وأثر واضح في المشاعر والأفكار، ومن ثم يرسم سلوكًا ظاهرًا للعيان، فربّما مرّ عليكِ موقفٌ وصلتِ فيه إلى شفا حفرة من السقوط في المحظور، أو اتّجهتِ بخطواتكِ إلى متاهات الضياع، حينها يأتي ذلك الصوت كهدير الرعد الذي يوقظ فيكِ الشعور بالمسؤولية، ويتراءى أمام عينيكِ شريط كلّ العقبات التي اجتزتها في سبيل الحفاظ على المبادئ والقيم النابعة من أساس قويم مصدره مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، منها كلمات تهمس بين حنايا الروح للإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) إذ قال: "من لم يكن لهُ من نفسهِ واعظٌ، تمكّن منه عدوّه"(1)، فعندما يقف الإنسان على مفترق الطرق بين ما يرغب به وبين ما لا يرغب به، وتتصارع تلك الأطراف فيما بينها، يأتي ذاك النداء من الفطرة السليمة والبوصلة التي تُطمئن القلب وتعيده إلى جادّة الصواب. إنّ تغيير السلوك الخارجي يبدأ من الداخل عبر لحظة إدراك حدثت بسبب سوء فهم، أو مشكلة كانت بمنزلة الصدمة التي أفاق منها صاحبها ليقول: أين أنا؟ وكيف تجاوزتُ حدودي؟ لماذا قلتُ كذا وكذا؛ لتكون صحوةً لتعديل المسار. حري بنا أنْ نُسعف أنفسنا قبل أنْ نقع بين براثن الصدمات، فآثار ندوب الجراح تبقى لمدّة واضحة مهما حاولنا إخفاءها، ويكون إسعافنا لأنفسنا عبر محاسبتها أولًا بأول، والبحث عن أيّ نقطة تحتاج إلى تقويم أو استبدال، كالألفاظ التي تزعج من حولنا أو التصرّفات التي تكون مصدرًا لنفور الآخرين، فكلّما قوّمنا العود الطري كانت استقامته أسهل وثباته أفضل، لكن حين يجفّ العود يتطلّب السعي لتصحيح قوامه عملًا أصعب وأشدّ إيلامًا، بل من الممكن أنْ يُكسر عوضًا عن تقويمه. احرصي بأنْ تجعلي في يومكِ متّسعًا للتأمّل بذهن صافٍ وسلام ذاتي مرّة في اليوم، كي تستمعي بحسٍّ مرهف لنداء الصوت الخفيّ ليقودكِ نحو التوازن والسلوك السوي. ............ (1) عيون أخبار الرضا: ج2، ص 56.