بين الأصالة والحداثة: كيف تستلهم المرأة المعاصرة القيم من السيدة الزهراء (عليها السلام) من أجل تربية الجيل الرقمي؟

ولاء عطشان الموسوي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 5

في عالم تلاشت فيه الحدود الجغرافية خلف شاشات صغيرة، وباتت فيه الخوارزميات شريكًا في تربية الأبناء، تقف الأمّ المعاصرة أمام تحدّي الموازنة بين حداثة العصر وبين أصالة الانتماء، فكيف نستلهم من سيرة سيّدة نساء العالمين (عليها السلام) مناهج تربوية تواكب لغة (الرقمنة) من دون أن تفرّط بـ(القيمية)؟ لاستقراء الآراء بشأن هذا الموضوع توجّهنا بسؤال مجموعة من ربّات البيوت والعاملات: في ظلّ سطوة المؤثّرين على عقول الناشئة، كيف ننجح في جعل شخصية الزهراء (عليها السلام) قدوة حيّة ومرنة قادرة على جذب الطفل الرقمي الذي يبحث دائمًا عن الإبهار البصري؟ أجابتنا السيّدة فردوس محسن الجواهري، مدرّسة في دار القرآن الكريم: نحوّل سيرة السيّدة الزهراء (عليها السلام) إلى قصص بصرية جذّابة، ونربط تراثها بحياة الطفل اليومية، ونستخدم الأدوات الحديثة عبر محتوىً عميق يصنع قدوة حيّة. وقالت المربّية فهيمة رضا، مدرّسة مادّة القيم في مجموعة وارث التعليمية: الطفل الرقمي لا ينجذب إلى النصوص، بل إلى الصورة والحركة؛ لذلك يجب إخراج الشخصيات العظيمة والخالدة من أعماق الكتب إلى الشاشات وإلى الحياة التي نعيشها اليوم عبر إنتاج أفلام الرسوم المتحرّكة ذات التصاميم والألوان الجذّابة؛ لنقدّم عن طريقها المبادئ العظيمة والقيم بأبهى صورة، فنحوّل سيرة المعصومين (عليهم السلام) إلى مشاهد لا محاضرات، وكذلك عن طريق إنشاء شخصيات رقمية مستوحاة من السيرة الفاطمية، وإنتاج ألعاب تتمحور حول الصفات الفاطمية وزرعها في اللاوعي، فضلًا عن إنتاج مقاطع فيديو قصيرة تحمل مضمونًا عن حياة هذه السيّدة الجليلة (سلام الله عليها)، فهي قدوتنا، ولا يخفى على أحد مدى عظمتها، ونجاحنا يعتمد على البراعة في نقل السيرة العطرة لسيّدة نساء العالمين (عليها السلام) وتحويلها إلى تجربة رقمية ممتعة، وبذلك نسهم في تغيير اتّجاه الأطفال من الانجراف وراء الباطل واللاشيء. وأجابت المونتيرة م. هنادي الحسناوي: سؤال مهمّ جدًا ومن صميم الواقع، فالسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قدوة للنساء والرجال، لكن كيف نجعل أبناءنا يقتدون بها؟ هنا يأتي دورنا في إيصال فكرة القدوة إلى قلوبهم قبل عقولهم، وجذب انتباههم إلى شخصيتها بأسلوب غير تقليدي، يلامس مشاعرهم ويشبه عالمهم، فلابدّ من أن نحوّل عطاء السيّدة الزهراء (عليها السلام) إلى مشاهد حيّة وقصص مبسّطة يفهمها الطفل وتكون قريبة من لغته؛ لأنّ الأطفال يتفاعلون مع ما يرونه ويعيشونه أكثر ممّا يسمعونه فقط، فمثلًا نربط القيم بحياتهم اليومية، كمساعدة الأمّ، احترام الكبار، العطف على الصغار، مشاركة الآخرين، والقصص هنا ليست مجرّد وسيلة، بل جسر عاطفي، فكلّما كانت تُروى بأسلوب لطيف ومشوّق، ترسّخت في قلب الطفل قبل عقله، وبدأ يرى في صفات السيّدة الصدّيقة (عليها السلام) شيئًا يمكن أن يعيشه ويطبّقه، ومن المهمّ أيضًا أن نستخدم لغة هذا العصر حتى يشعر الطفل أنّ هذه القيم قريبة منه وليست بعيدة أو صعبة، ويعرف كيف يتصرّف لو حدث معه موقف ما، فعندما تقتدي الأمّ أو المعلّمة بالسيّدة الزهراء (عليها السلام) وتنقل منهجها بلطف وهدوء وقرب من فهم الطفل، فإنّه لا يتعلم فقط، بل يتشرّب هذه القيم بشكل طبيعي، ولا ننسى أنّ التربية ليست للحظة، بل عملية تراكمية، فكلّ موقف صغير وكلّ كلمة طيّبة وكلّ قصّة صادقة، تبني في داخل الطفل صورة جميلة عن القدوة؛ لذلك علينا أن نبدأ بأنفسنا وفي ضمن دائرتنا القريبة؛ لنقدّم أنموذجًا حيًّا وصادقًا، فيكون التأثير بسيرة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تأثيرًا عميقًا، واقعيًا، وقريبًا من حياة الطفل. وأبدت الباحثة النفسية نور العتبي - بغداد رأيها: نحن بحاجة إلى الانتقال من الأسلوب التقليدي في عرض الشخصيات القدوة القائم على السرد الوعظي المباشر إلى الأساليب الحديثة، فالأطفال في هذا العصر الرقمي يتأثّرون بالشاشات والعرض البصري أكثر من أيّ شيء آخر، وإذا أردنا أن نبحر في الموضوع من الجانب النفسي ونطبّق مبادئ علم النفس السلوكي، بخاصّة نظرية (النمذجة)، فبحسب هذه النظرية لا يتعلّم الطفل عبر التلقين، بل عن طريق الملاحظة والتقليد، إذ يكتسب السلوك عبر مشاهدة نماذج جذّابة ثم تقليدها، بخاصّة إذا كان هذا السلوك مصحوبًا بتعزيز إيجابي، من هذا المنطلق ينبغي أن يكون تقديم شخصية السيّدة الزهراء (عليها السلام) على شكل أنموذج سلوكي مرئي، فالطفل لا يتفاعل مع العناوين والمصطلحات الكلامية، بل يتفاعل مع المشاهد الحيّة التي تجسّد القيم الفاطمية، فتبرز أهمّية تحويل القيم إلى مشاهد سلوكية في ضمن مقاطع فيديوية قصيرة أو أفلام الرسوم المتحرّكة يمكن عرضها عبر منصّات التواصل الاجتماعي، تعلّم الطفل كيف يمكن أن يتصرّف بصدق، أو رحمة، أو قوة داخلية، مستلهمًا هذه الصفات من سيّدة نساء العالمين (عليها السلام)، مثلما أنّ الإبهار البصري الذي يُعدّ من أهمّ عناصر جذب الطفل الرقمي، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه عنصرًا سطحيًا، بل وسيلةً تربويةً فعّالةً إذا أُحسن توظيفها، فالألوان الجذّابة، والحركة، والمؤثّرات الصوتية، يمكن أن تُسهم في ترسيخ السلوك الإيجابي عندما تُدمج في محتوى هادف يعكس القيم الأخلاقية. ومن الجوانب المهمّة الأخرى في مجال النمذجة السلوكية هو الاعتماد على ما يُعرف بالنماذج القريبة، أي الشخصيات التي تشبه الطفل في عمره واهتماماته، فالطفل يتأثّر أكثر بشخصية تشبهه وتعيش ظروفًا مشابهة له، مقارنة بالشخصيات الأكبر؛ لذلك يمكن تقديم شخصية وسيطة سواء طفل أو طفلة معاصرة تواجه مواقف حياتية يومية، وتتّخذ قرارات مستوحاة من قيم الزهراء (عليها السلام)، ممّا يجعل القدوة أكثر واقعية وقابلية للتطبيق. ولا يمكن إغفال دور التعزيز في تثبيت السلوك، وهو من الركائز الأساسية في علم النفس السلوكي، فالسلوك الذي يُكافأ يميل صاحبه إلى التكرار، ولهذا يمكن توظيف الألعاب الرقمية والتطبيقات التفاعلية التي تمنح الطفل نقاطًا أو مكافآت عند اختياره لسلوك إيجابي، مع ربط هذا السلوك بالقيم التي تمثّلها السيّدة الزهراء (عليها السلام)، وبهذا يتحوّل التعلّم إلى تجربة ممتعة، قائمة على الاكتشاف والمشاركة، لا على الإلزام. وفي سؤال آخر ركّزنا على القناعة وبساطة العيش: اتّسمت حياة السيّدة الزهراء (عليها السلام) بالبساطة والجوهرية؛ فكيف تواجه الأمّ المعاصرة ثقافة الاستهلاك والتباهي التي تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي؛ لتزرع في نفوس أبنائها قيمة القناعة والاعتزاز بالذات؟ أجابت المربّية زينة إبراهيم/ إداري أول: إنّ مواجهة طوفان الاستهلاك لا تكون بالمنع القسري، بل ببناء الامتلاء الداخلي، فعندما يشعر الطفل أنّه كافٍ وأنّ قيمته مستمدّة من عقله وروحه، فستصبح كلّ تلك الصور البرّاقة على الشاشات مجرّد ضجيج لا يمسّ جوهره. وشاركت الإعلامية فاطمة السهيل رأيها: تستطيع الأمّ مواجهة ثقافة الاستهلاك والتباهي عبر ترسيخ القيم الدينية في بيتها، وأنّ قيمة الإنسان ليست بما يملك، بل بما يحملهُ من خُلق وعلم، ويجب على الأمّ أن تطبّق هذه القيم حتى تكون القدوة الحسنة لأبنائها مقتديةً بالسيّدة الزهراء (سلام الله عليها)، فعندما يرى الأبناء هذه القيم مطبّقة في حياتهم اليومية، فسيُولد عندهم اعتزاز بأنفسهم ويبتعدون عن المظاهر المادّية والتباهي والمقارنات. وقالت المربّية السيّدة سعاد الشروفي: يمكن للأمّ أن تضع خطّة عمل في التعامل مع أبنائها عبر استبدال الإسراف بمعايير فنّية لنتائج جميلة يملؤها الإبداع والتميّز والإعجاب الخارجي قبل الداخلي، ممّا يسهم في ترسيخ القيم. إنّ استلهام القيم من حياة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ليس عودة إلى الوراء، بل هو الالتزام بالمبادئ الثابتة في زمن المتغيّرات المتسارعة.