رياض الزهراء العدد 232 ألم الجراح
مآذن الرثاء
في صباح أثقلته الغصّة، استيقظت الأرض على صوت لم يكن ككلّ الأصوات، صوت شقّ سكون التاريخ، وترك في قلب سامرّاء جرحًا مفتوحًا. هناك، عند المرقد الذي تعانق مآذنه السماء، وعند القبّة التي كانت تشرق كالشمس فوق رؤوس الموالين، دوّى الانفجار كأنّه محاولة لطمس ذاكرة الضوء، سقطت حجارة القبّة، وتناثرت قطع الذهب، لكنّ شيئًا واحدًا لم يسقط: الإيمان الراسخ الذي يسكن صدور الزائرين. كانت المآذن يومها تبكي، لا بصوت مسموع، بل بصمت ثقيل ملأ الأفق رثاءً. الريح التي مرّت فوق الضريح حملت معها حكايات الحزن، كأنّها تهمس للأرض: إنّ القلوب التي تعلّقت بهذا المكان لا يمكن أن تُفجّر مثلما تُفجّر الجدران، لقد ظنّوا أنّ التفجير نهاية الحكاية، لكنّهم لم يعلموا أنّ الحكايات التي تُكتب بالدموع والوفاء لا تنتهي. يا سامرّاء، يا مدينةً تحفظ في ضفافها صبر القرون، لم تكن القبّة ذهبًا فحسب، بل كانت ذاكرة أمةٍ كاملة، كانت قبلة الحزن والرجاء، ومحراب الدعاء الذي لا يخفت؛ لذلك حين سقطت حجارتها نهضت القلوب لتبنيها من جديد، حجرًا من الصبر فوق حجرٍ من المحبّة. إنّ المآذن التي ارتفعت من جديد لم تكن حجارةً، بل كانت شهادةً بأنّ النور لا يُطفأ، فكلُّ قبّةٍ تُهدم بالحقد، تُبنى بالمحبّة ألف مرّة، وكلُّ جرحٍ في سامرّاء يتحوّل بمرور الأيام إلى رايةٍ من الصبر. هكذا بقيت المآذن ترفع رثاءها إلى السماء، لا لتبكي الماضي، بل لتعلن أنّ هذا المكان سيظلّ حيًّا في قلوب المؤمنين، فقبّة الإمامين العسكريين (عليهما السلام) وإن غابت لحظةً عن الأفق، فإنّها تُشرق كلّ يوم في أرواح من عرفوا معنى الوفاء؛ لتبقى سامرّاء منارةً لا تنطفئ مهما اشتدّت عتمة الزمان.