الثأر المميز

منتهى محسن محمد/ بغداد
عدد المشاهدات : 5

في زاوية هادئة من منزلها الذي تفوح منه رائحة الطيب والسكينة، كانت (أمّ باقر) تتأمّل صورة ولدها المعلّقة على الجدار، لم تكن صورة عادية، بل لحظة وداع يبتسم فيها (باقر) وهو يرتدي زيّه العسكري قُبيل انطلاقه إلى معارك التحرير. في تلك اللحظة، ومثل كلّ مرّة تتسرّب صوره إلى الذاكرة النابضة بالحنين والشوق إلى فلذّة الكبد، تُعيد الأمّ ترنيمة العهد الأخير الذي ألقاه عليها واضعًا رأسه في حجرها قبل رحيله، حين أمسك يدها وقال بنبرة غائرة في الروح: أمّي، لا أريدك أن تكوني مجرّد أمّ نمطية لشهيد، بل لنفعلها بشكل استثنائي: شهيد مميّز وأمّ شهيد مميّزة، كي نأخذ حقّنا بطريقة تكسر نصل الظلام من جذوره. لم تدرك حينها مغزى كلام ولدها إلّا بعد مرور السنين، وفي إحدى المواجهات الشرسة استُشهد (باقر) غدرًا، فظلّت وصيته حيّة في عروقها كصلاة لا تنتهي، وبحكم عملها مرشدة وباحثة اجتماعية، كُلّفت بمهمّة هزّت أركان صبرها، ألا وهي زيارة سجون النساء اللواتي اعتُقلن بتهمة الانتماء إلى التنظيمات الإرهابية: زوجات أولئك الذين أراقوا دم ولدها وأخواتهم وبناتهم. في أول لقاء معهنّ واجهت عواصف من نظرات الشكّ والنفور، إذ كانت الوجوه خلف القضبان جامدة، مشحونة بالأفكار المسمومة، ترى في (أمّ باقر) عدوًّا وندًّا، لكنّها كلّما شعرت بالاستفزاز أو الوجع، تردّد على مسامعها صوت (باقر) مدوّيًا: لا تفعلي مثلما يفعل الغير يا أمّي! بدأت (أمّ باقر) رحلتها الإصلاحية بهدوء استلهمتهُ من أخلاق الحكماء، إذ لم تقم بالمحاكمة أو انتقادهنّ، بل قامت بالمواساة واستشعار أذى السجن والعيش خلف القضبان، والوحشة في البُعد عن العائلة والأحبّة؛ لتخاطب فيهنّ مشاعر الفطرة السليمة، إذ قالت: أنا أشعر بالأسف لوجودكنّ هنا لأنّني امرأة مثلكنّ، ويزعجني حقًّا أن تكنّ هنا لأيّ سبب كان، لقد خلق الله تعالى المرأة كي تعيش في دفء العائلة وتكون مصدر الحنان والطيب لمن حولها، لا لتُستخدم في مآرب دنيئة أو تُستدرج لمزالق وخيمة. وبمجرّد أن انهت كلامها حتى انسابت بعفوية دموع الندم والأسف على وجوه الكثيرات منهنّ، من هنا بدأت فصول الحبّ والتعلّق بأمّ باقر، وبدأ الجليد يذوب تدريجيًا، فتلك التي كانت تكفّرها، صارت تقترب منها لتجد فيها عطف الأمومة، والأخرى التي تمجّد القتل، بدأت تتساءل عن حقيقة رسالة الحقوق. بدأت محاولات (أمّ باقر) في تغذية عقولهنّ وسقيها بماء اليقين، حتى حدث التحوّل الذي لم يكن يتوقّعه أحد، ففي إحدى الجلسات وقفت زوجة أحد قادة التنظيم بدموع منكسرة وقالت: يا خالة، لقد خدعونا طويلًا، هل لي بنسخة من كتاب (نهج البلاغة)؟ أريد أن أعرف من هو أميرك الذي جعل منك هذه المرأة؟ وتبعتها أخرى تطلب نسخة من (دعاء كميل) لتغسل بكلماته سواد سنوات الضلال التي عاشتها، حتى تحوّل السجن إلى حلقة وعي كبرى وتعلّقت السجينات بأمّ باقر تعلّق الغريق بطوق النجاة. استطاعت (أمّ باقر) تغيير قناعات أولئك النساء وأفكارهنّ؛ لينهلن من معين آل البيت (عليهم السلام) فهم الملاذ الآمن والنجاة من الهلاك. حان يوم ختام المهمّة، وقفت (أمّ باقر) وسط الساحة والنساء من حولها يبدين امتنانهنّ لها، فرفعت رأسها نحو السماء وأغمضت عينيها وهي تخاطب روح ولدها: الآن يا (باقر) تحقّق العهد، الآن صرتُ أمًّا مميّزة لشهيد مميّز، لم نأخذ حقّنا برصاصة قاتلة، بل أخذناه بقتل الفكر الفاسد الساكن قلوب تلكم النساء، لقد قتلتُ (داعش) في عقولهنّ، وهذا هو ثأرنا العظيم. خرجت (أمّ باقر) من باب السجن بخطىً ثابتة وهي موقنة أنّ دم (باقر) لم يذهب سدى، بل صار مدادًا يصحّح مسار أجيال كادت أن تتوه في الظلام.