السيدة زينب (عليها السلام) وإعجاز الكلمة
تجاوزت وقفة السيّدة زينب (عليها السلام) في الكوفة والشام حدود الانفعال العاطفي؛ لتستقرّ في جوهر الفعل الاستراتيجي الذي أعاد صياغة موازين القوى، إذ واجهت السيّدة (عليها السلام) محاولات عبيد الله بن زياد-لعنه الله-لممارسة الوصم الاجتماعي بعبارة حاسمة زلزلت عرشه المزيّف من دون أن يرفّ لها جفن قائلةً: "ما رأيتُ إلّا جميلًا"(1)، فهذا الردّ نقل المعركة من مستواها المادّي إلى المستوى الوجودي؛ إذ حوّلت انتصار الطاغية الظاهري في فاجعة الطفّ من انكسار حسّي نفسي إلى كمال قيمي، يبرهن هلى عظمة البيت النبوي. أمّا في الكوفة، فقد تجلّت الهيمنة الخطابية حين سيطرت (عليها السلام) بإيماءة واحدة على الجوّ العام وأسكتت الجموع الغفيرة في مشهد وصفه (حذلم بن ستير) بأنّه إفراغ عن لسان الإمام عليّ (عليه السلام)، إذ كان توظيفها (عليها السلام) للقرآن الكريم إلى جانب الوعظ، نقدًا سياسيًا يُسقط الهيبة الدينية عن السلطة الحاكمة، واصفةً حال السلطة بـ(الاستدراج الإلهي). أمّا في الشام، فقد ألقت السيّدة زينب (عليها السلام) خطبتها بأسلوب يعتمد خلخلة الصورة الذهنية ليزيد-لعنه الله-عبر تحليل نفسي واضح قائلة: "أمن العدل يا بن الطلقاء؟"(2)، عبارتها هذه أعادت يزيد إلى مثالبه التاريخية المتمثّلة بمقام العبودية، وذلك مقابل مقامها الشامخ كونها ربيبة الوحي وسليلة الشرف الهاشمي المنيع، ممّا أحدث شرخًا في شرعية حكم يزيد-لعنه الله-أمام الوفود والحاضرين. لقد جسّدت السيّدة زينب (عليها السلام) في جميع مواقفها وخطاباتها ما ورثته من أصحاب الكساء (عليهم السلام)، محوّلةً مأساة السبي إلى وقود لثورة الوعي في نفوس البشرية على مرّ التأريخ، فكانت خطبها بيانات مدوّية غيّرت الرأي العام، وأجبرت السلطة الحاكمة على التنصّل من جريمتها النكراء بحقّ آل البيت (عليهم السلام)، فهي (عليها السلام) قطب من أقطاب النهضة الحسينية التي حفظته من الضياع في دهاليز التزييف الأموي، مُثبتةً أنّ الكلمة الصادرة من بيت الوحي تعلو ولا يُعلى عليها، وتفوق في أثرها حدّ نصل السيوف. ............ (1) بحار الأنوار: ج45، ص116. (2) الاحتجاج للطبرسي: ج2، ص35.