علي الأكبر (عليه السلام) تجلي النور المحمدي
في ظلّ عتمة الانحراف والضلال وانقلاب الأمة على أعقابها وإقصائها عترة نبيّها، يبرز فتىً هاشمي ملكوتي كأنّه البدر في ليلة تمامه وكماله، ذو يقين راسخ، وإيمان صلب، كأنّه وُلد قبل مولده وسبق عصره وعاش أكثر من عمره وعاصر كلّ الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) حتى تجلّت فيه أعلى صفات الكمال والجمال، كيف لا وهو أشبه الناس خلقًا وخُلُقًا ومنطقًا بأفضل خلق الله (عزّ وجلّ) وأقربهم منه منزلةً رسولنا محمّد (صلّى الله عليه وآله). عليّ الأكبر (عليه السلام) الذي اختاره الله تعالى ليكون من وُلد الإمام الحسين (عليه السلام) قدّمه سيّد الشهداء ليكون أعظم القرابين إلى الله تعالى، لم يكن شخصًا عاديًا، بل هو وليّ من أولياء الله المقرّبين وآية من آياته العظمى، ورث كمالات آبائه الطاهرين (عليهم السلام) وأسرارهم، ويتجلّى ذلك في الحوار الذي دار بينه وبين والده الحسين (عليه السلام)، فعن عقبة بن سمعان قال: لمّا كان السحر من الليلة التي بات الحسين (عليه السلام) فيها بقصر بني مقاتل، أمرنا بالاستسقاء ثم ارتحلنا، فبينا هو يسير إذ خفق الإمام الحسين (عليه السلام) برأسه خفقةً وانتبه وهو يسترجع ويقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله ربّ العالمين، كرّر ذلك ثلاثًا، فأقبل إليه ابنه عليّ الأكبر وكان على فرس له، وقال له: جُعلتُ فداك، ممّ استرجعت وحمدت الله؟ فقال الحسين (عليه السلام): خفقتُ برأسي خفقةً، فعرض لي فارس يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمتُ أنّها أنفسنا نُعيت إلينا، قال عليّ الأكبر (عليه السلام): يا أبت، ألسنا على الحقّ؟ فقال الحسين (عليه السلام): بلى والذي إليه مرجع العباد، فقال عليّ الأكبر (عليه السلام): إذًا لا نبالي أن نموت محقّين، فقال الحسين (عليه السلام): جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدًا عن والده"(1). حريّ بنا أن نصوغ هذه الكلمات بماء الذهب، وننقلها جيلًا بعد جيل، فعليّ الأكبر (عليه السلام) بذل مهجته الشريفة لبقاء الدين ومُزّق جسده الطاهر إربًا إربًا على يد أقبح أعداء الله ورسوله أمام أنظار أمّه وأبيه وأهل بيته (عليهم السلام)، وباستشهاده عاش سيّد الشهداء (عليه السلام) فقد جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله) مرّتين: يوم استشهاده حيث وُصف بأنّه أصعب يوم مرّ على آل الرسول (صلوات الله عليهم) حتى ظنّوا أن لا سماء تظلّهم ولا أرض تقلّهم، ويوم استشهاد ولده وفلذّة كبده وشبيه جدّه عليّ الأكبر (عليه السلام) مثلما وصفه صاحب الأمر (عجّل الله فرجه) في زيارة الناحية المقدّسة إذ قال: "السلام على عليّ بن الحسين، الشبيه بجدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله"(2). فالسلام على وليّ الله تعالى عليّ الأكبر يوم وُلد، ويوم استُشهد ويوم يُبعث حيًّا في أعلى علّيين. .......... (1) لواعج الأشجان: ص98. (2) بحار الأنوار: ج98، ص269.