ذكريات محفورة على الرّمال

خديجة الكبرى رحيم السعيديّ/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 2

ظُهر يوم العاشر من المحرّم عام (61هـ) كانت في الفسطاط ذوات صغيرة السنّ تترقّبُ الأحداث بقلوبٍ يملؤها القلق، تنتظر قدوم الصدر الحاني إليها لتُخفي خوفها في أحضانه، لكنّ صوتًا ارتفع من بين الخيام بدّد أحلامها، وجعلها كسراب في الصحراء، إذ قال الإمام زين العابدين (عليه السلام) لعمّته الحوراء زينب (عليها السلام): "عليكنّ بالفرار"(1)، فنهضت المخدّراتُ وأسرعن بالفرار من الخيام، لكنّ أيدي الأعداء كانت أسرع، فأخذت تقذفُ مشاعل النار على الخيام التي كانت تؤوي عيال الحسين (عليه السلام) من وهج الصحراء الحارق، فاشتعلت النار تأكلُ الخيام وأذيال ثياب العلويات، وفرّ الأطفال الصغار خوفًا وذعرًا من السياط والنار. وما بين ضارب وسالب وشامت، ضاع الصغار في الوادي، ولا طريق للوصول إليهم سوى آثار أقدامهم. كانت هناك آثار أقدام صغيرة جدًا، يبدو من حجمها أنّها لطفل ذي أربع سنوات، تُركت آثارُها في الرمال، إنّها أقدام روحٍ طاهرة، فما هذه الآثارُ التي طُبعت في التراب إلّا بصمات العصمة والهداية، فحتى في الرمال آثارُهم متميّزة مختلفة، إنّها معالم الإمامة المنتهكة، وبقيّة الخلافة الإلهية المغصوبة، إنّها علامات الرشد والصواب، تلك هي آثار أقدام الإمام الباقر (عليه السلام)، فهو أيضًا كان له نصيب من هذا الفرار العظيم والفزع المميت، إذ كان حاضرًا في تلك الرزية العظمى والمصاب الجلل، فقال (عليه السلام): "قُتل جدّي الحسين ولي أربع سنين، وإنّي لأذكر مقتله وما نالنا في ذلك الوقت"(2). ولهذا القول منحىً آخر يكشفُ عن طغيان بني أُمية-لعنة الله عليهم-ووحشيتهم، فحتى الصغار لم يسلموا من الأذى والجور، مثلما يكشفُ أيضًا عن عمق تأثّر مولانا الإمام الباقر (عليه السلام) بواقعة الطفّ المأساوية، فالأطفال لا يذكرون من طفولتهم إلّا الأحداث التي خلّفت أثرًا عميقًا في نفوسهم، وما قوله (سلام الله عليه) إلّا دليل على بصمة الطفّ الحارقة في قلبه الشريف. وقد ورد أنّه (عليه السلام) كان يروي للناس تفاصيل مقتل جدّه الإمام الحسين (عليه السلام)، ممّا يدلّ على عظم تلك الفاجعة من دون أن ينسى منها شيئًا، إذ قال (عليه السلام): "لقد قُتل بالسيف والسنان، وبالحجارة، وبالخشب، وبالعصا، ولقد أوطؤوه الخيل بعد ذلك"(3). وعنه (عليه السلام): "أُصيب الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، ووُجد به ثلاثمائة وبضع وعشرون طعنة برمح، أو ضمرة بسيف، أو رمية بسهم"(4). عانى الإمام الباقر (عليه السلام) من واقعة الطفّ مدى حياته الشريفة، ولم يعش هانئًا بلقمة أو شراب شأنه شأن والده الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فقد عاش منتظرًا للثأر، وسلّم الانتظار بعده لابنه الصادق (عليه السلام)، وهكذا إلى آخر إمام، وبعد الغيبة الكبرى راح الشيعة ينتظرون أخذ الثأر من قتلة سيّد الشهداء (عليه السلام) وممّن رضوا بقتله وسكتوا على خذلان إمامهم، وكلّ دعائهم لإمام زمانهم (عجّل الله فرجه): "اللهمّ انصره وانتصر به لدينك، وانصر به أولياءك وأولياءه، وشيعته وأنصاره، واجعلنا منهم"(5). ................ (1) معالي السبطين: ج2، ص52. (2) الإمامة وأهل البيت (عليهم السلام): ج3، ص17. (3) بحار الأنوار: ج45، ص91. (4) الأمالي للشيخ الصدوق: ص228. (5) المصدر السابق: ج91، ص78.