انتصار الحسين (عليه السلام)
في كلّ زمان ومكان يقف الحقّ والباطل متصارعين، وخلفهما عباد الرحمن وعبيد الشيطان، يتناوشان جولات وجولات، فيغلب الحقّ دائمًا، وحاشا للباطل أن يغلب، وقد قال عزّ من قائل: )ومن يتولّ اللّه ورسُولهُ والّذين آمنُوا فإنّ حزب اللّه هُمُ الغالبُون( (المائدة:56)، وقد يتساءل الإنسان: كيف يكون الحقّ غالبًا في معركةٍ تنتهي بمصرع أهله؟ كيف يكون الحقّ منتصرًا على الرغم من أنّ دمه قد سُفك، وحرمه قد هتك، وكلّ محبٍّ له ولنهجه مُضطهد، مرفوض من أهل الدنيا؟ ويأتي الجواب في سؤال: ما الانتصار؟ أهو التمتّع بفناء الدنيا وزوالها؟ أم هو العيش في نعيم منقطع، حدّه اثنان، بكاء عند الولادة وبكاء عند الوفاة؟ أم هو التقلّب في ملذّات وشهوات تغذّي أهواء الجسد، من جاه ومال وسلطان، وطعام وشراب ونساء، ثم التقلّب بعدها في الأمراض والآفات حتى الوصول إلى أسفل درك من عواقب الغرق في يمّ الشهوات؟ أم هو بناء أبراج قومٍ على أطلال آخرين؟ وبسط سلطة ظالمة فوق رقعة أرضٍ لم ولن تكون لأحدٍ إلّا لبارئها، بدليل أنّ صاحبها المزعوم لا يملك إلّا أن يغادرها بعد حين، ملفوفًا بالأكفان، ملحودًا في بقعة ضيّقة من تراب لا يلبث أن يختلط بها فتأكله الديدان؟ إنّ الجواب عن هذه الأسئلة هو أوضح من نور الشمس في رابعة النهار، لكن الإنسان الذي يضيق فكره بالوصول إلى الجواب النهائي، ويكتفي بالأجوبة المجتزئة، قد يتخيّل الانتصار في كلّ ذلك؛ لأنّه لا يرى ما وراء الأكمة، ولا يُعمل عقله في تدبّر عواقب الأعمال، بل يرى ويسمع ويحسّ، فيظنّ أنّ الكون هو ذاك دون سواه، وأنّ منتهى حواسّه هو نهاية الوجود، فيضع مقاييس الحياة البشرية بمحدودية ساحقة، وينطلق من عقيدته الهشّة السطحية ليحكم على الحقائق الصادقة. لكن نظرة واحدة في عمق التاريخ تكفي لتقلب كلّ هذه المفاهيم المادّية البليدة الجوفاء إلى ذلك الحقّ الحقيق الذي سطع يوم عمّت الظلمات، فأنار بنوره أبصار الكائنات، وانسكب ألقًا في ليلٍ بهيم، فبزغ فجرًا يكرّس منطق الحقّ المبين: إنّه الحسين (عليه السلام). قليلة هي الكلمات وفقيرة شحيحة حدّ العدم حين تتلاطم أمواجًا في بحره الزاخر، وصامتة هي الأصوات وخرساء بكماء حين تقرع بصداها مداه المنبسط بلا حدود، وعاجزة حدّ الشلل والعمى هي الأفكار والأنظار حين تتطلّع إلى قمّة قدسه الشاهقة السامقة، فقد جمع في شخصه المقدّس كلّ معاني الانتصار الحقيقي للجنس البشري، منذ آدم حتى قيام الساعة. أيّ عظيم تتماهى بعظمته الكائنات فتقصر عن فهم معشارها، لكنّها تمتاحه كنزًا لا تنفد جواهره، وينبوعًا لا تنضب موارده، وتضعه الحياة نصب عينيها أيقونة الأيقونات، مع أنّه بمقياس من يحدّون الحياة بالموت قد مات، لكنّ الموت خسئ عند أذياله، ولم يستطع أن يجد في قاموسه ما يفسّر إعجاز أحواله، ويأتي الذكر المبين ليكشف السرّ العظيم: )ولا تقُولُوا لمن يُقتلُ في سبيل اللّه أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعُرُون( (البقرة:154). وتمرّ السنون والقرون، ويترجم الحاضر والمستقبل حال الماضي، فإذا الدنيا على الرغم من ضيقها وقصر مدّتها، تستوعب هذا الانتصار، انتصار دم الشهيد الأكبر الأعزّ على سيوف بني ذلّة، وإذا هو منارة المنارات وهم أحطّ من ذباب القاذورات، ويرى القاصي والداني والمؤمن والكافر وأهل الدنيا والآخرة هذا الانتصار فلا يستطيعون الإنكار: )يُريدُون أن يُطفئُوا نُور اللّه بأفواههم ويأبى اللّهُ إلّا أن يُتمّ نُورهُ ولو كره الكافرُون( (التوبة:32). أمّا الخاسرون، إذًا لابدّ أمام كلّ منتصر من خاسر، فليس فقط من ناوأ الحقّ وحاربه وظنّ أنّه قد قضى عليه، بل إنّ الأشدّ خسارة هم أولئك الذين كانوا في ركابه فتنحُّوا، وأُزلفت الجنّة لهم وأشرقت أنوارها فوق رؤوسهم ومدّت طوباها إليهم بغصون محمّلة بالجنى، فلم يقطفوا منها ولم يتعلّقوا بها ولم يلجؤوا إلى ظلّها، بل انكفؤوا يلتصقون بأديم هذه الدنيا ويسجدون لأهوائهم، فلم ينالوا إلّا الهباء. إنّهم أولئك الذين كان باستطاعتهم أن ينصروا فلم ينصروا، وسمعوا واعية الحسين (عليه السلام) فنكسوا بدلًا من أن يهبّوا ويلتحقوا بركب المنتصرين، فخسروا الخسران المبين: )ومن النّاس من يعبُدُ اللّه علىٰ حرفٍ فإن أصابهُ خيرٌ اطمأنّ به وإن أصابتهُ فتنةٌ انقلب علىٰ وجهه خسر الدُّنيا والآخرة ۚ ذٰلك هُو الخُسرانُ المُبينُ( (الحجّ:11). ومهما دار الزمان دورته، وعصر البشر وصهرهم، وقلّب أشخاصهم وأعمالهم وصورهم، وأظهروا خيرهم وشرّهم، فإنّ انتصار الحسين (عليه السلام) يبقى هو منتهى ما به أمرهم؛ لأنّه القدوة المثلى والعروة الوثقى التي وضعها ربّ العزّة لهم؛ ليكون لهم آيةً لا تُبلى، ونصرًا لا يزول، لا يوم كيومه ولا أرض كأرضه ولا أحد كإياه. هو الحسين (عليه السلام)، نصر أبديّ وفوز سرمديّ، جنّة عرضها السماوات والأرض والدنيا والآخرة أُعدّت للمتّقين، فالنصر الحقيقي هو النصر الذي يدوم ولا يفنى، ويجزي الله تعالى به من يشري نفسه ابتغاء مرضاته: )أم حسبتُم أن تدخُلُوا الجنّة ولمّا يأتكُم مّثلُ الّذين خلوا من قبلكُم مّسّتهُمُ البأساءُ والضّرّاءُ وزُلزلُوا حتّىٰ يقُول الرّسُولُ والّذين آمنُوا معهُ متىٰ نصرُ اللّه ألا إنّ نصر اللّه قريبٌ( (البقرة:214).