سر السلام الإلهي

زينب كاظم التميميّ/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 2

"سلامُ الله وسلامُ ملائكته المُقرّبين وأنبيائه المُرسلين وعباده الصّالحين وجميع الشُّهداء والصّدّيقين والزّاكياتُ الطّيّباتُ فيما تغتدي وترُوحُ عليك يا بن أمير المُؤمنين..."(1). ‏بهذه الكلمات الفيّاضة التي تلاها الإمام الصادق (عليه السلام) تبدأ رحلة الزائر إلى رحاب المولى أبي الفضل العبّاس (عليه السلام)، إنّها ليست مجرّد تحية عابرة، بل هي إعلان عن مقام ملكوتي استثنائي خُصّ به ساقي عطاشى كربلاء، فهل تساءلنا يومًا: لماذا سلام الله تعالى أولًا؟ ‏ففي أغلب زيارات المعصومين (عليهم السلام) يبدأ الزائر بالسلام المباشر، "السلام عليك..."(2)، لكن في زيارة أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) نجد تصديرًا عجيبًا، إذ يبدأ الزائر بنقل سلام الله (عزّ وجلّ) نفسه، ثم سلام ملائكته، ثم سلام أنبيائه، ثم سلام الصالحات، فهذا الترتيب يحمل دلالات عميقة، ‏أولها النيابة عن الغيب، فالزائر لا يُسلّم من تلقاء نفسه، بل يضع نفسه في مقام المبلّغ لسلام الذات الإلهية، وهذا يشير إلى أنّ المولى أبا الفضل العبّاس (عليه السلام) بلغ مرحلة الفناء في ذات الله تعالى وطاعته ورضاه، فأصبح مستحقًّا لسلام الخالق قبل سلام المخلوق، فحين يبدأ السلام من الذات الإلهية المقدّسة، ثم الملائكة، ثم الأنبياء، ثم الزاكيات، نجد وجودات مقدّسة مهيبة تتّجه بالسلام على هذا الوليّ الصالح، فهي شهادة تعظيم من كلّ مراتب الوجود لمكانة هذا العبد الصالح، فالبدء بسلام الله هو تذكير بأنّ أبا الفضل العباس (عليه السلام) بكلّ عظمته هو عبدٌ صالح استمدّ نوره من الذات الإلهية المقدّسة، فاستحقّ أن يذكره الربّ في ملئه الأعلى. مثلما تشير مقاطع أخرى من زيارته (عليه السلام) إلى الوفاء المطلق بالعهد، وفنائه في ذات الله تعالى وفي ذات حجّته على خلقه، وهذا الفناء منحه خصوصية تجلّت في شخصه وحياته، مثلما شهد له المعصوم (عليه السلام) بـ(التسليم، والتصديق، والوفاء، والنصيحة)، فهذه الأركان الأربعة هي جوهر العبودية الحقّة، ومن نال شهادة المعصومين (عليهم السلام) فقد حاز قصب السبق. .............. (1) مفاتيح الجنان: ص533. (2) مفاتيح الجنان: ص 554.