الإمام زين العابدين (عليه السلام): استراتيجية الدمعة ومنطق الثورة
كانت خُطب الإمام زين العابدين (عليه السلام) في أعقاب واقعة الطفّ صرخةً قد كسّرت طوق التعتيم الأموي آنذاك، تعبّر عن استراتيجية الأئمة (عليهم السلام) لإسقاط هيبة السلطة، ففي مجلس الطاغية ابن زياد-لعنه الله-عندما أراد توظيف القدر لتبرير جريمته، واجهه الإمام (عليه السلام) بمنطق القرآن الكريم، وبمنطق العترة الطاهرة (عليهم السلام) عندما بلغت الجرأة ذروتها بتهديده (عليه السلام) بالقتل، فأطلق ردّه التاريخي: "أبالقتل تهدّدني يا ابن زياد؟ أما علمت أنّ القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة"(1)، فهذه الكلمة لم تكن دفاعًا عن النفس، بل كانت إعلانًا لانتصار الحقّ على الباطل، وظلّت نشيدًا للأحرار يتردّد عبر الأجيال. لم يكتف الإمام السجّاد (عليه السلام) بالخطاب المباشر، بل اتّخذ من الحزن المستديم وسيلةً نافذةً لتخليد نهضة سيّد الشهداء (عليه السلام)، فإنّ بكاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) الذي بدأ مع واقعة عاشوراء وامتدّ إلى شهادته (عليه السلام) لم يكن بكاء ضعفٍ أو انكسار، بل كان بكاء احتجاج يهدف إلى إبقاء القضية الحسينية حيّة في الضمير الجمعي، فكان (عليه السلام) يمزج الطعام والشراب بدموعه تذكيرًا يوميًّا بظلامة سيّد شباب أهل الجنّة (عليه السلام)، فكان من البكّائين الخمسة الذين مثّلوا الأسى والحزن على امتداد التاريخ، وامتدّ بكاؤه (40) عامًا، فقال له أحد مواليه يومًا: جُعلتُ فداك يا بن رسول الله، إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين، فقال (عليه السلام): "إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلّا خنقتني لذلك العبرة"(2)، ممّا جعل المجتمع في حالة استنفار عاطفي دائم ضدّ القتلة، فهذا الأسلوب حوّل الحزن من حالة شخصية إلى طاقة رفضٍ اجتماعي، هزّت قناعات الموالين والمخالفين على حدّ سواء، وأحالت الهدوء الظاهري للسلطة إلى غليانٍ مكتوم في الصدور. وقد أدّت مواقف الإمام السجّاد (عليه السلام) بشقّيها الإعلامي والعاطفي إلى تحريك الساحة الإسلامية وتأليب الرأي العام ضدّ الحكم الأموي، إذ كان لكلّ دمعة يسكبها ولكلّ موقف يتّخذه أثرٌ مباشر في تحفيز الجماهير، وقد أدّت هذه المواقف إلى انطلاق الشرارات الأولى للثورات المسلّحة وغيرها، كثورة عبد الله بن عفيف الأزدي في الكوفة عام (61هـ)، وثورة التوّابين عام (65هـ)، وثورة المختار الثقفي عام (66-67هـ)، وغيرها من الثورات والمعارضات، إذ أدركت الأمة أنّ السكوت على قتل العترة الطاهرة (عليهم السلام) هو ضياعٌ للهوية والقيم، فاستحالت دمعة الإمام السجّاد (عليه السلام) إلى ثورةٍ في الميادين. وبلغت الانتهاكات الأموية ذروتها في استحقار الذات البشرية وامتهان كرامة المؤمنين عبر ممارساتٍ وحشية شملت وسم الرقاب والأكفّ بوسوم العبودية، واسترقاق الأحرار بالديون، وسبي الذراريّ، وفي ظلّ هذا المناخ الخانق الذي استهدف سحق الإرادة الإنسانية، كان الإمام السجّاد (عليه السلام) كهف المؤمنين وملاذ الأمة، يبني هويتها ويرسم لها طريق الخلاص، محوّلًا ذكرى كربلاء إلى عنوانٍ دائم للكرامة الإنسانية التي لا تقبل المساومة على الدين مهما بلغت التضحيات. .............. (1) بحار الأنوار: ج45، ص118. (2) المصدر نفسه: ج43، ص155.