دفن الأجساد الطاهرة فصل آخر من فصول الفاجعة

أزهار عبد الجبار الخفاجي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 19

يوم عظيم على آل الرسول (صلوات الله عليهم)، يوم فجيع آخر من فجائع كربلاء، ففي اليوم الثالث عشر من شهر محرّم الحرام تقف القلوب حزينة مكسورة وخاشعة أمام مشهدٍ لا يشبهه مشهد، إذ يمتزج الحزن بالوفاء، والدمع بالصبر بعد أن سكتت سيوف الظلم، وبقيت الظلامة شاخصة على أرض كربلاء وإلى أبد الدهر، فجاء وقت مواراة الأجساد الطاهرة التي قُطّعت دفاعًا عن الحقّ والمبدأ، أجساد نال منها العطش والجراح، لكنّها بقيت شامخة بعزّتها، تحمل في طيّاتها أعظم دروس التضحية والفداء، تعكس صعوبة الظروف التي أحاطت بتلك المرحلة. وفي مثل هذا اليوم من العام (61هـ) وصل الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى كربلاء لدفن الشهداء، ولولا وجوده (عليه السلام) لما تعرّف أحد على الأجساد الطاهرة، بخاصّة بعد أن اختلطت المعالم وتعذّر التمييز بينها، ولمّا أقبل الإمام السجّاد (عليه السلام) وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيّرين لا يدرون ما يصنعون، ولم يهتدوا إلى معرفتهم وقد فرّق القوم بين الرؤوس والأبدان، وربّما سألوا من أهلهم وعشيرتهم؟ فأخبرهم الإمام (عليه السلام) عمّا جاء إليه من مواراة هذه الأجساد، وأوقفهم على أسمائهم، فارتفع البكاء والعويل، وفي هذا المشهد لم يكن الدفن نهاية، بل بداية خلود القضية، ورسالة حيّة في ضمير الإنسانية، وعند دفن الأجساد الطاهرة تجدّد العهد بأنّ الدم لن يضيع، وأنّ الحقّ باقٍ. لم يكن يوم (13) من شهر محرّم الحرام يوم حزن فقط، بل شاهدًا على عظمة التضحية، أجساد دُفنت، وأرواح حيّة خالدة عند ربّها، وعزاء لا تنطفئ حرارته ولو أُطفئت شمس الدنيا، وقضية تهدي البشرية إلى الحقّ، ففي كربلاء لم يُدفن المجد بل زُرع ليبقى في ضمير الأحرار. فسلام على تلك الأجساد والدماء التي خطّت طريق الحرّية؛ لتظلّ منارة خالدة وعهدًا متجدّدًا بأنّ الحقّ لن يُمحى.