بين القصة والقدوة: كيف نعلم أبناءنا القيم الحسينية
حين نتحدّث عن شخوص الطفّ وقصصهم الملهمة، كالقاسم بن الإمام الحسن المجتبى وأخيه عبد الله (عليهم السلام)، والسيّدة رقية بنت الإمام الحسين (عليهما السلام)، وأبناء مسلم بن عقيل (عليهم السلام)، فنحن نتحدّث عن شخصيات سمت على مرحلة الطفولة وارتفعت على مقتضياتها، فصغير بيت الرسالة لا يُقاس بغيره من الصغار، هم ثمرة بيت النبوة والهدى وأولي الحجى، حذوا حذو إمام زمانهم السبط الشهيد (عليه السلام)، وبذلوا مهجتهم في سبيل الله تعالى في أعظم رزيّة في تاريخ البشرية. كيف يستطيع الأطفال اليوم أن يقتدوا بهؤلاء الكرام؟ وما القيم التي يمكن أن نغرسها في نفوسهم؟ توجّهت رياض الزهراء (عليها السلام) بسؤال مجموعة من الأخوات بهذا الشأن: فسألنا السيّدة رباب صالح مهدي/ موظّفة: كيف يمكننا غرس قيمة الصبر في أطفالنا مثلما تجلّت في أطفال كربلاء؟ يجب أن نبدأ مع الطفل بتوضيح أهميّة الصبر على طريق الحقّ الرسالي، وأثرها الإيجابي في حياته ونتائجها، فنتحدّث مع الطفل بصدق ووضوح، وسيستوعب ذلك، مثلما يجب أن نكون نحن قدوة له، وأن يرى في تصرّفاتنا اليومية آثار الاقتداء بأهل البيت (عليهم السلام)، وكيف جسّدت مولاتنا زينب (عليها السلام) الصبر الجميل، فعلّمت الكبار والصغار أبجدية الثبات والاستقامة عن طريق جميع مواقفها العظيمة. وسألنا السيّدة نجلاء هاني عبد الحسين/ مدرّسة علوم القرآن: _ كيف يمكن لطفل اليوم أن يقتدي بشخصيّات الطفّ كالسيّدة رقية (عليها السلام) أو القاسم بن الحسن (عليهما السلام)؟ نحكي لأطفالنا سيرة هذه الشخصيّات، مثلًا كيف برز القاسم (عليه السلام) إلى ساحة القتال ليقي إمام زمانه بنفسه، فملازمة القاسم (عليه السلام) للإمام الحسين (عليه السلام) تدلّ على كماله وكمال دينه وعلى قوة التشبّث بوليّ الله تعالى وحجّته على عباده، مثلما يفصح عن ذلك رجزه وافتخاره بنسبه المنيع، فهو فتى بعقل فاق العقلاء، فنحن نحاول أن نستضيء من هذا النور وعرضه على أبنائنا مع تقديم شرح مبسّط يناسب فهمهم. - ما الأنشطة التي يمكن أن يشترك فيها الأطفال في يوم عاشوراء؟ ولداي يبلغان من العمر (7) و(10) أعوام، يقومان في يوم عاشوراء بتوزيع الماء على الزائرين على محبّة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأنصاره الذين قضوا عطشًا، وكذلك يشتركان في توزيع الطعام على الجيران والزائرين. وسألنا السيّدة نور كريم مهدي/ ربّة بيت: كيف يمكن أن تؤثّر المجالس الحسينيّة في الأطفال؟ إنّ الحرص على اصطحاب الأطفال إلى المجالس الحسينيّة هو الأساس، فالمجالس مدارس، وهي كفيلة بتعليمهم وتوعيتهم عن طريق الخطب التي يستمعون إليها، لاسيّما المجالس المنعقدة في الأيام الأولى من محرّم الحرام، بخاصّة المجلس المخصّص لاستذكار مصيبة سيدنا القاسم بن الإمام الحسن (عليهما السلام)، والطفل الرضيع ابن الإمام الحسين (عليهما السلام). وسألنا السيّدة ابتسام كاظم خلف عن تجربتها مع ابنتها، وكيف أثّرت فيها قضية الإمام الحسين (عليه السلام) وأطفاله: إنّ الطفل بطبيعته يحمل قلبًا نقيًا، وروحًا صافية، تستطيع تقبّل الحقائق وتتأثر بها، فتجربتي مع ابنتي التي أحبّت السيّدة رقية (عليها السلام) وتأثّرت بها، إلى درجة كانت تؤدّي تشابيه السيّدة رقية (عليها السلام)، وكانت تجسّد المشهد بإحساس عالٍ؛ ليشعر الحاضرون بحجم المصيبة، ثم أصبحت تلقي القصائد الحسينية بطلاقة، وارتدت العباءة الزينبية منذ صغرها، وأحبّت المسير إلى الإمام الحسين (عليه السلام) في زيارة الأربعين، وأحبّت قراءة القرآن الكريم لتهدي ثواب ما تقرأ من السُور إلى روح الإمام الحسين (عليه السلام)، ثم اتّجهت إلى دراسة العلوم الدينية، والحمد لله ربّ العالمين على هذه النعم، ونسأله تعالى أن لا يحرمنا من خدمة الإمام الحسين (عليه السلام). وسألنا السيّدة بثينة حسن هاشم/ مدرّسة متقاعدة عن تجربتها مع أولادها وكيف اقتدوا بشخصيات كربلاء: قد تكون تجربتي مختلفة قليلًا، فعندما كان أطفالي صغارًا كان الحديث عن القضيّة الحسينيّة محفوفًا بالمخاطر، ولم أكن أستطيع التكلّم بصورة مباشرة وشرح القضية الحسينية لأبنائي، فلجأتُ إلى طريقة مواربة، إذ كنتُ أجلس أطفالي إلى جانبي ليستمعوا معي إلى مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) عبر المذياع، فأشرح لهم خطب أهل البيت (عليهم السلام) في الكوفة والشام، وعباراتهم في أحاديثهم وأراجيزهم، فأقول لهم مثلًا: لاحظوا كيف تكلّمت السيّدة فاطمة الصغرى (عليها السلام)، لاحظوا صلابة السيّدة سكينة (عليها السلام)، لاحظوا أخلاق أهل البيت (عليهم السلام) وحكمتهم وعلمهم، فالمذياع كان الناطق وأنا كنتُ أقوم بالشرح والتفسير للأطفال، وهم ينصتون إلى كلامي، حتى إنّ ابنتي الكبرى حفظت أغلب الأبيات التي قالها الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم العاشر من المحرّم، وخطبة الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الشام عن ظهر قلب، وكانت تنشدها بطريقتها الطفولية، ولم ترض أن تسير حافية القدمين يوم انقطع حذاؤها في الشارع، قائلة: إنّ القاسم بن الحسن (عليهما السلام) لم يمش حافيًا في المعركة يوم انقطع شسع نعله، بل وقف يصلحه، وهي رسالة عزّة وكبرياء.