وفاة أبي البشر (عليه السلام): التّأسيس للوصاية وبداية تاريخ الحجج
الموت في المنظور الإلهيّ لحظة كشف واختبار كبير مؤثّر في مسار الأمم، فعندها يمتحن الإنسان في أعمق ما حمل: الأمانة، والعهد، واستمرار الهداية في الأرض، ومن هنا، فإنّ وفاة آدم (عليه السلام) هو أول امتحان للاستخلاف، فكيف سلّم (عليه السلام) الأرض من بعده؟ ففي روايات أهل البيت (عليهم السلام) ذُكرت وفاة آدم (عليه السلام) بوصفها حدثًا مهمًّا يعادل في هيبته لحظة الخلق الأولى، إذ بها اكتمل معنى الاستخلاف، وتقرّر قانون الهداية في الأرض بأن لا تخلو من حجّة لله تعالى على خلقه، وأمره الله تعالى بالوصيّة لتنتقل أمانة العلم، وأسماء الله تعالى، وميزان الحكم بين الناس عن طريق ما جاء من أمر إلهيّ صريح: (أوص إلى خير ولدك)(1)، وكان الاصطفاء الإلهيّ لشيث-هبة الله- فجمع آدم بنيه جميعًا، رجالًا ونساءً في مشهد مهيب؛ ليودّعهم ويشهدهم على سنّة الله في خلقه بأنّ الخلافة عهد إلهيّ عظيم واجب اتّباعه، فأعلن أنّ الوصيّ هو شيث (عليه السلام)، وطلب منهم السمع والطاعة، فكان الإقرار الجماعي، وأول بيعة في تاريخ البشرية على الأرض، ثم أتت اللحظة الفارقة: الوعد الإلهيّ في الأرض، العلم، الوصيّة، وهي شواهد على أنّ المعرفة الدينية في منطق أهل البيت (عليهم السلام) موروثة محفوظة، وتتجلّى هنا رؤية الولاية المبكّرة، إذ إنّ العلم الإلهيّ لا يُترك للضياع أو الصراع، إنّما يُصان بسلسلة من الوصايا الدقيقة، وخطاب آدم (عليه السلام) الأخير، وهو يشهد بالتوحيد ويستعرض مسيرته من الخلق إلى سجود الملائكة، ثمّ الجنّة، فالأرض، بيان يختصر فلسفة حياة الإنسان، خلقه الله تعالى بمشيئته، وأسكنه الجنّة برحمته، وأنزله الأرض بتقدير منه، وعاش الاختبار، وتحمّل مسؤولية الوصيّة حتى مات بالتسليم، وأوصى آدم (عليه السلام) ابنه شيثًا (عليه السلام) خليفته على أبنائه بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه، مؤسّسًا بذلك سنّة إنسانية خالدة، ونزل جبرئيل (عليه السلام) بالكفن من الجنّة، وحضرت الملائكة أفواجًا؛ لتشارك السماء في تشييع أول خليفة لله تعالى في الأرض، وتقدّم شيث (عليه السلام) للصلاة على أبيه فهو حجّة يصلّي على حجّة(2) إعلانًا بأنّ الأرض لم تُترك بلا خليفة من قبل الله تعالى، وبعد انتهاء المراسيم يأتي التحذير من قبل قابيل، قاتل أخيه ورمز خطّ الانحراف الأول؛ ليتنازع على الوصيّة، ويهدّد الحجّة بالقتل، فاستخفى شيث (عليه السلام) بالعلم ولم يظهره إلّا لأهله، فالوصيّة أمانة إلهية تُصان حتى يحين وقتها. لنعلم أنّ وفاة آدم (عليه السلام) كانت فاتحة لكتاب ممتدّ عنوانه: (تاريخ الحُجج). .......... (1) بحار الأنوار: ج11، ص265. (2) علل الشرائع: ج1، ص195.