أقمار في سماء الطف

خديجة أحمد الصحّاف/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 3

عندما نكتب عن أنصار الإمام الحسين (عليه السلام) تحلّ في الكلمات روحًا ملكوتية فتكسبها ألقًا وقداسة؛ لأنّهم رجال استثنائيّون بكلّ ما يحمله التعبير من معنى مثلما وصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام): "لا يسبقهم من كان قبلهم، ولا يلحقهم من كان بعدهم"(1)، وذكرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حديثه مع الإمام الحسين (عليه السلام): "ويستشهد معك جماعة من أصحابك، لا يجدون ألم مسّ الحديد، وتلا قوله تعالى: (قُلنا يا نارُ كُوني بردًا وسلامًا علىٰ إبراهيم) (الأنبياء:69)، تكون الحرب عليك وعليهم بردًا وسلامًا"(2). لقد اختارتهم العناية الإلهية حتى اكتملت عدّتهم، مثلما قال ابن عبّاس: (أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلًا ولم يزيدوا رجلًا، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم)(3)، وقال عنهم محمّد بن الحنفيّة (رضوان الله عليه): (وإنّ أصحابه-الحسين عليه السلام- عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم)(4). قليلون هم في العدد لكنّ عقيدتهم راسخة كالجبال، اختاروا طريق ذات الشوكة، ودخلوا ميدان المواجهة ببصيرة نافذة وقلوب مترعة بالولاء للحسين (عليه السلام)، لبسوا القلوب فوق الدروع، فركعت لهم السيوف، وسجدت الرماح في أروع ملحمة استشهاديّة، هم عظماء حتى في أعين أعدائهم، بسالتهم جعلت عمرو بن الحجّاج يصرخ: أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر، وقومًا مستميتين لا يبرز إليهم أحد منكم إلّا قتلوه على قلّتهم(5). ثلّة نالوا شرف القتال بين يدي إمام زمانهم (عليه السلام)، وثبتوا معه ثباتًا عقائديًّا عزّ نظيره في كلّ رجال الحقّ عبر التأريخ، فحلّوا بفنائه المقدّس، وأناخوا برحله، تطوف بهم جحافل الملائكة ليلًا ونهارًا. عندما نرمق البقعة التي ضمّت أجسادهم الطاهرة، نذكر ثناء الإمام الحسين (عليه السلام) عليهم: "لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي"(6). أحلّهم من بيعته عندما اتّضحت له نوايا القوم، سمح لهم أن ينطلقوا تحت جنح الظلام لينجوا بأنفسهم، لكنّهم آثروا الموت بين يديه ألف مرّة؛ لأنّ القتل فداء له، حياة أبدية تتحدّى الفناء. لا نقرأ زيارة للإمام الحسين (عليه السلام) إلّا تضمّنت عبارات تنمّ عن مقامهم الرفيع: "السلام عليكم يا طاهرين من الدنس، السلام عليكم يا مهديّون"(7)، و"بأبي وأمّي طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم"(8)، والإمام المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) يخاطبهم: "السلام عليكم يا خير أنصار"(9). عندما نتأمّل في موقف الأنصار، تعترينا دهشة ممزوجة بالإكبار، ولهفة لنكون في زمرتهم ونحظى مثلهم بسعادة الخلود مع سيّد شباب أهل الجنّة، فنردّد بخشوع صادق: "يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا"(10). ............... (1) بحار الأنوار: ج41، ص295. (2) بحار الأنوار: ج44، ص331. (3) بحار الأنوار: ج44، ص245. (4) مقتل الحسين (عليه السلام): ص120. (5) الإرشاد: ج2، ص99. (6) الإرشاد: ج2، ص91. (7) مصباح المتهجّد: ج2، ص787. (8) كامل الزيارات: ص274. (9) كامل الزيارات: ص273. (10) مصباح المتهجّد: ص787.