عطاء السريرة
رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "نيّة المؤمن خير من عمله، وذلك لأنّه ينوي من الخير ما لا يدركه، ونيّة الكافر شرّ من عمله، وذلك لأنّ الكافر ينوي الشرّ، ويأمل من الشرّ ما لا يدركه"(1)، في هذا الحديث الشريف يرشدنا الإمام (عليه السلام) إلى أهمّية النيّة، وكيف أنّها تُعدّ محورًا أساسيًا في الدين الإسلامي وفي العبادات والطاعات، وعلى أساسها تتحدّد قيمة الأعمال وغاياتها، وقد أولاها القرآن الكريم عناية خاصّة؛ لأنّها الباعث الداخلي الذي يمنح الفعل القبول أو عدمه، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إنّ العبد المؤمن الفقير ليقول: يا ربّ ارزقني حتّى أفعل كذا وكذا من البرّ ووجوه الخير، فإذا علم الله عزّ وجلّ ذلك منه بصدق نيّة، كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله، إنّ الله واسع كريم"(2)، وهذا الحديث يفتح لنا آفاقًا واسعةً في استثمار النيّة الحسنة؛ إذ إنّها تكفي لجلب الحسنات إن كانت صادقة بالفعل، حتى يصل العبد إلى مرحلة تتحوّل فيها الممارسات اليوميّة إلى عبادات متى ما اقترنت بقصد القربة إلى الله تعالى، ولا يمكن بلوغ هذه المرحلة إلّا إذا اتّصف العبد بالوعي العميق بحقيقة العلاقة بينه وبين ربّه، فتصبح النيّة عندها حلقة وصل بين السلوك والمعتقد، وبين الظاهر والباطن، والجميل في الأمر أنّ استثمار النيّة يمتدّ ليشمل كلّ جزئيات الحياة، بدءًا من سعي الفرد في طلب الرزق، أو خدمته للناس، حتى دراسته، وكلّ ذلك يصيّر الأعمال إلى عبادة متكاملة إذا ما اقترنت بالنيّة الصادقة، وقد جاء في دعاء (مكارم الأخلاق) عن الإمام السجّاد (عليه السلام): "اللهمّ وفّر بلطفك نيّتي"(3)، أي لا يشوب النيّة أيّ سوء من شرك ظاهر ولا شرك خفي، خالصةً لله (عزّ وجلّ)، فعباد الله الصالحون هم الذين يخلصون له في نيّاتهم، فيكون دافعهم لكلّ عمل هو التعبّد لله تعالى وطاعته وطلب رضاه. ................ (1) وسائل الشيعة: ج1، ص36. (2) الكافي: ج2، ص85. (3) الصحيفة السجّادية: الدعاء (20).