صاحب البشارة

هدى نصر المفرجيّ/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 6

على ضفاف لحظات تجري بوقار الحزانى، حيث ينسج النخيل بسعفه المتدلّي حكايات الصبر العتيقة، كان (أبو جاسم) يتوسّد دكة بيته في إحدى أزقّة (الكاظمية) القدّسة، حيث تفوح رائحة الهيل الدافئة، رجل رسمت الأيام على وجهه خارطة من الأخاديد، كأنّ كلّ تجعيدة نهر جفّت مياهه، لكنّ عينيه بقيتا منارتين لم تخدشهما عواصف الخذلان، ينظر إلى العمر الذي تسلّل من بين يديه بين يُسرٍ وعُسر، فقد أشياء كثيرة، تلاشت تجارته في مهب ريح عاتية، فبنى جدران بيته بعرق جبينه، وفقد أحبّة وارى جثامينهم التراب وبقيت غصّتهم في الحناجر، ومع ذلك كان يُلقّب بـ(صاحب البشارة)؛ لأنّ ملامحه كانت تبثّ يقينًا يربك أكثر القلوب انكسارًا. وفي عصرٍ عراقي قائظ، والحزن يطبق على صدره كجدران زقاق ضيّق، لم يبح بوجعه لأحد، جلس يرتشف الشاي بهدوء، كانت مسبحته المصنوعة من الكهرمان تدور بين كفّيه الخشنتين، يُمرّر إبهامه المتشقّق على حباتها، فتصدر تلك النقرات الرزينة، صوت يشبه نبض قلب لم يعرف اليأس قطّ. سأله ابنه بنبرة ملؤها العتب والعجب: كأنّك غريب عنّا، ألا تبالي بما نحن فيه من ضيق الحال؟ توقّف (أبو جاسم) عن التسبيح، أغمض عينيه قليلًا ثم مسح براحة كفّيه الدافئتين حبّات المسبحة كأنّه يواسيها، ثم التفت إلى ابنه بابتسامة تشبه شروق الفجر، وقال يقينًا: يا بنيّ، من يرضى بالمقسوم يُصبح ملكًا في الكون، فالله سبحانه لا ينسى نخلة عطشت في وسط الجرف، فكيف ينسى عبدًا لهج لسانه بالذكر! لم يكن رضا (أبو جاسم) بما قسم الله تعالى مجرّد صمت، بل كان كرشفة قهوة مرّة يعرف أنّ حلاوتها تكمن في قعر الفنجان، وفي تلك اللحظة وسط سكون القلق، طُرق الباب طرقة لم تكن غريبة، بل كانت صدى لجميلٍ زرعه في غابر الأيام، ساقه الله إليه في لحظة الاحتياج الأخير. رفع العجوز بصره إلى السماء ويداه لا تزالان تحتضنان المسبحة بحنان، وقال لابنه: هذا عطاء الكريم، إن ترض بما لديك، يُرضك بما لديه، انتبه يا بُني وتعلّم من مدرسة المعصومين (عليهم السلام)، وتذكّر قول عليّ الأكبر (عليه السلام) لأبيه سيّد الشهداء (عليه السلام) عندما قال: "فإنّنا إذن لا نُبالي أن نموت محقّين"(1). ............. (1) اللهوف في قتلى الطفوف: ص43.