رياض الزهراء العدد 232 طفلك مرآتك
الأسرة وتهيئة الأطفال لشهر محرم الحرام
تُعدّ الأسرة المكان الأول الذي ينشأ فيه الطفل ويتعلّم منه الكثير، فمن الأسرة يكتسب القيم والمبادئ وطريقة التعامل مع الحياة والآخرين، فالطفل لا يتعلّم من المدرسة فقط، بل يتعلّم من البيت قبل أيّ مكان آخر عبر الكلام الذي يسمعه، والتصرّفات التي يراها، والأجواء التي يعيش فيها؛ لذلك للأسرة دور كبير في تهيئة الطفل للمناسبات الدينية والاجتماعية، منها شهر محرّم الحرام. فعند حلول شهر محرّم الحرام، يعيش المجتمع أجواءً يكسوها طابع الحزن وإحياء الذكرى، وقد يلاحظ الطفل هذه التغيّرات ويسأل عنها أو يتأثّر بها، وهنا يبدأ دور الأسرة في شرح معنى هذه المناسبة له بطريقة بسيطة ومناسبة لعمره من دون تخويف أو تعقيد، بل عن طريق التركيز على القيم والمعاني، كالصبر، والشجاعة، والصدق، ومساعدة الآخرين، فالطفل عندما يفهم المعنى، يتقبّل الشعائر بشكل أفضل ويشارك فيها بوعي، مثلما أنّ إشراكه في الأجواء العائلية في هذه المناسبة يُعدّ أمرًا مهمًّا، كمشاركته في ترتيب المنزل، أو المساعدة في تحضير الطعام والشراب، أو الجلوس مع العائلة والاستماع للعزاء، فهذه الأمور البسيطة تُعلّم الطفل معنى المشاركة والانتماء، وتجعله يشعر أنّه جزء من العائلة والمجتمع، وليس مجرّد شخص يشاهد ما يحدث من حوله. وتُعدّ الأسرة أيضًا قدوة للطفل في طريقة التعامل مع هذه المناسبة، فالطفل يراقب تصرّفات الكبار أكثر ممّا يستمع إلى كلامهم، فعندما يرى والديه يتصرّفان بصبر واحترام، ويتعاملان بهدوء وتنظيم، فإنّه يتعلّم منهما هذه السلوكيات بشكل تلقائي؛ لذلك سلوك الأسرة في أيام العزاء يعلّم الطفل كيف يعبّر عن مشاعره بطريقة صحيحة ومتّزنة. ومن الأمور المهمّة أيضًا أن تستمع الأسرة للطفل؛ لأنّ بعض الأطفال قد يشعرون بالخوف عند سماع بعض مفاصل واقعة عاشوراء أو عند رؤية مظاهر الحزن، وهنا يجب على الأهل أن يفسحوا المجال للطفل لطرح أسئلته والتعبير عن مشاعره، وأن يجيبوه بهدوء وبأسلوب بسيط يطمئنه ويعلّمه أنّ الحزن شعور طبيعي، وأنّ إحياء الذكرى يكون عبر التعلّم من القيم والمواقف، وليس عبر الخوف أو القلق. وفي أيام العشرة الأولى من شهر محرّم الحرام يزداد دور الأسرة في مرافقة الطفل وتوجيهه بشكل تدريجي، إذ تعوّده الأسرة على أجواء الشهر بهدوء، وتشرح له وقائع الطفّ بأسلوب مبسّط يناسب عمره، فأيام محرّم لا تقتصر على حضور المجالس فقط، بل هي فرصة لتعليم الطفل القيم من المواقف اليومية، ومع اقتراب يوم العاشر من المحرّم من المهمّ أن تدعم الأسرة الطفل نفسيًا، فتشرح له الأحداث بطريقة تركّز فيها على القيم، بعيدًا عن ذكر التفاصيل المفجعة التي حلّت بالإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأنصاره، حتى يبقى ارتباط الطفل بعاشوراء ارتباطًا واعيًا ومتوازنًا. تبقى الأسرة أكثر من مجرّد مكان يعيش فيه الطفل، فهي المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها القيم والأخلاق والانتماء والتفاعل مع المجتمع، وعن طريق المناسبات الدينية والاجتماعية تستطيع الأسرة أن تربّي طفلًا واعيًا يفهم القيم الإنسانية والشعائر الحسينية بطريقة متّزنة، فتهيئته لا تكون بالكلام فقط، بل بالمواقف اليومية، والقدوة الحسنة، والحوار، والمشاركة العائلية؛ لتبني شخصيته، وتلازمه طوال حياته.