بين القداسة والتقنية: التكنولوجيا في عاشوراء رسالة سلام إلى كل الأنام
إنّ قضية عاشوراء كانت وما تزال رسالة سلام في كلّ أرجاء المعمورة، حملت واقعة الطفّ أبعادًا عقائدية وفكرية عن العدالة، ومع التقدّم الحضاري باتت مراسيم عاشوراء لا تنحصر بالحضور الفيسيولوجي للموالين، إذ تسلّلت العدسات إلى قلب الشعائر للتحوّل المجالس إلى بثّ مباشر يختصر المسافات بضغطة زرّ، ممّا جعل كلّ المحبّين يشاركون في العزاء أين ما كانوا وإن كانت المشاركة تقتصر على المشاهدة فقط. وبين من يرى في التكنولوجيا وسيلة لنشر القضية الحسينية إلى العالم وبين من يخشى أن تتحوّل الشعائر إلى محتوىً رقمي يفقد شيئًا من جوهره تأخذنا مجلة رياض الزهراء (عليها السلام) في جولة استطلاعية للتقصّي فيما إذا كانت التكنولوجيا تخدم الشعائر الحسينية أم لا: التكنولوجيا جسر لنقل الشعيرة حدّثنا المصوّر سرمد الحسيني قائلًا: في السنوات الأخيرة أدّت منصّات التواصل الاجتماعي والتصوير المباشر دورًا كبيرًا في نقل عاشوراء إلى خارج حدود المكان، إذ شغلت التكنولوجيا بشكل عام حيّزًا كبيرًا استطعنا عن طريقها إيصال صوت المجالس إلى الموالين والمحبّين الذين يقطنون خارج العراق ممّن يصعب عليهم الحضور والمشاركة في مراسيم العزاء في كربلاء، وهذا بحدّ ذاته خدمة عظيمة. فيما قالت الإعلامية سوزان الشمّري: التكنولوجيا لها دور كبير في انتشار العقائد الدينية والقضية الحسينية، مثلما أنّ للتصوير دورًا فاعلًا في نقل صور حيّة لهذه الشعائر المقدّسة من قلب الحدث، لكن نرى أحيانًا بعض الأشخاص يهتمّون بالتصوير أكثر من التفاعل الحقيقي مع المصيبة؛ لهذا يجب أنّ نهتمّ بأصل القضية والشعيرة ثم ننقلها. وتؤكّد الحاجّة (أمّ ياس) على أنّ البثّ المباشر يجعلها تعيش أجواء عاشوراء حتى وهي بعيدة فكأنّها حاضرة في مجلس العزاء. وقالت الطالبة طيبة ميثم: التكنولوجيا ساعدت على نقل الشعائر بشكل كبير، بخاصّة إلى من تمنعهم ظروفهم الصحّية أو المادية من الحضور والمشاركة، لكن يجب أن تُستخدم التكنولوجيا بوعي وثقافة بعيدًا عن الاستعراض، مثلما يجب ألّا يعرض كلّ شيء، بخاصّة لحظات الخشوع التي لابدّ من أن تبقى بين العبد وربّه؛ لذلك يجب استخدام التكنولوجيا بالطريقة الصحيحة بعيدًا عن التشويه، أمّا أنا فأتابع المواكب عبر هاتفي، إذ لا يمكنني المشاركة ميدانيًا بسبب زخم الزيارة. بين التوثيق والاستعراض يقول الشيخ حيدر الساعدي: إنّ التكنولوجيا حوّلت الشعائر الحسينية من حدث محلّي إلى ظاهرة عالمية، ممّا يعزّز من انتشار القضية الحسينية، فالتكنولوجيا ساعدت على إيصالها إلى كلّ مكان وهذا أمر إيجابي، لكن يجب الحرص على أن يكون النقل لغرض التوثيق لا الاستعراض؛ لأنّ بعض الممارسات تحوّل إلى مشاهد استعراضية تمسّ العقيدة. التكنولوجيا وسلوك الجمهور وتقول الباحثة الاجتماعية نور مكّي الحسناوي: إنّ الخطر لا يكمن في التكنولوجيا نفسها بل في طريقة استخدامها، وذلك حينما تتحوّل الشعيرة إلى محتوى قابل للاستعراض لا لجوهر القضية، هنا تحديدًا تفقد جزءًا من قدسيتها، ومن النواحي الأيجابية الأخرى فقد قدّمت التكنولوجيا مزايا مهمّة لكبار السنّ والمغتربين لمتابعة المراسيم عبر منصّات التواصل، إذ لم تعد المشاركة تقتصر على الحضور، بل يمكن متابعة مجالس العزاء عبر الهاتف ونشرها، ويبقى التحدّي الحقيقي هو الحفاظ على التوازن في الاستخدام وسلوك الجمهور، ومواكبة العصر الحالي لاستقطاب كلّ الفئات العمرية من شتى بقاع العالم. بين شاشة تنقل المشهد وقلب يبحث عن المعنى، تبقى قضية عاشوراء أكبر من أن تُختزل في صورة أو بثّ مباشر، فالتكنولوجيا مهما بلغت من تقدّم، فستبقى أداةً بيد الإنسان إمّا أن تكون جسرًا يحمل الرسالة بصدق أو مرآة تعكس سطحها فقط.