الوعي الفكري لدى المرأة المنتظرة: الثبات في زمن المتغيرات

علا محمّد الكربلائي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 6

هل انتظار الفرج مجرّد ترقّب لزمن آتٍ، أم أنّه صناعة واعية لهوية الإنسان وصموده في وجه التيّارات الفكرية المختلفة؟ يشكّل مفهوم الانتظار في الفكر الإسلامي حالة من الحركة الدؤوبة التي تتجاوز مجرّد الترقّب الزمني؛ لتصبح مشروعًا متكاملًا لبناء الذات انطلاقا من وصية أمير المؤمنين (عليه السلام): "انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله، فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ انتظار الفرج"(1)، ففي قلب هذا المشروع تقف المرأة بوصفها ركيزة أساسية في الأسرة والمجتمع، فهي لا تبقى ساكنة بلا عمل، بل تحوّل انتظارها إلى عمل دؤوب يبدأ من استقرارها النفسي وصولًا إلى دورها الرسالي، فالوعي الفكري للمرأة المنتظرة يمثّل الحصانة العقائدية التي تمكّنها من الثبات أمام التيّارات الفكرية الضالّة والمغريات المادّية المعاصرة التي تحاول قولبة شخصية المرأة في أطر بعيدة عن جوهرها الروحي؛ لذلك تسعى المؤمنة المنتظرة ظهور إمام زمانها إلى استمداد قوتها الروحية من ارتباطها الوجداني العميق بالإمام المنتظر (عجّل الله فرجه)، ممّا يمنحها سكينة داخلية وصلابة في مواجهة الأزمات، فتتحوّل إلى مصدر الطمأنينة والأمل في بيتها ومحيطها. وتتجلّى قدرة المرأة المنتظرة على مواجهة الأزمات في زمن المتغيّرات عبر تفعيل المناعة العقائدية التي تحوّل المحن إلى فرص للبناء الصامد، فهي تدرك حجم التحدّي النفسي والاجتماعي الذي وصفه النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بقوله: "يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر"(2)، فهذا القبض على الجمر يمثّل ذروة الوعي الديني، إذ تختار المرأة الثبات على قيمها على الرغم من لهيب الفتن المحيطة بها، محوّلة هذا الصبر والاستقامة إلى بصيرة نافذة ترفض التراجع أو الانكسار، فترى في كلّ تحدٍّ اختبارًا لصدق انتمائها، ممّا يدفعها إلى تبنّي استراتيجية الصمود التي تعتمد على الهدوء النفسي واليقين المطلق، وهذه القوة الداخلية تمنحها القدرة على إدارة الأزمات الأسرية بحكمة، فهي التي تبثّ روح الثبات في نفوس أبنائها ليكونوا أنصارًا حقيقيين ومصداقًا لوصف الإمام الصادق (عليه السلام): "ورجال كأنّ قلوبهم زُبر الحديد، لا يشوبها شكّ في ذات الله، أشدّ من الحجر، لو حملوا على الجبال لأزالوها"(3). إنّ هذا الثبات العقائدي والصلابة النفسية هما حجر الأساس في عصر الغيبة، فبقدر ما يتّسع وعي المرأة بزمانها ومتغيّراته، تزداد قدرتها على صيانة هويتها ومجتمعها من التيه لتمضي بخطىً واثقة نحو فجر العدالة محوّلة الانتظار من مجرّد أمل بالقادم إلى بصيرة نافذة وثبات لا تزعزعه عواصف الزمن ومتغيّراته. ............ (1) بحار الأنوار: ج52، ص123. (2) الأمالي للشيخ الطوسي: ص484. (3) المصدر السابق: ج52، ص308.