رياض الزهراء العدد 232 مخطوط قرآني
ماذا تعرفين عن المصاحف الحمائلية؟
المصاحف الحمائليّة نوع من المخطوطات التي تضمّ آيات من المصحف الشريف أو أجزاءً منه، وفي حالات قليلة تضمّ المصحف الكريم كاملًا، تتميّز بصغر الحجم ودقّة كتابة الحروف إذا ما قُورنت بالأحجام المعتادة، تُحمل في السفر والترحال وفي الحروب، فتُعلّق في الأعناق أو السواعد؛ لهذا تُسمّى قطعها بالقطع (الحمائليّ، الجيبيّ، المعطفيّ)، وفي اللغة الفارسية تُسمّى (بازوبندي) أي مشدّ العضد و(جانمازي) أي سجّادة الصلاة. تُحمل للحفظ والبركة، مثلما توضع أعلى الرايات العسكرية، وبعضها متناهية في الصغر، إذ لا يمكن قراءتها بالعين المجرّدة، فتُرفق معها عدسة مكبّرة ليتمكّن حاملها من قراءتها، وأكثر خطّ يستخدم في كتابة هذه المخطوطات هو خطّ (الغبار)، وهو مكتوب بدقّة تُسمّى (صبح الأعشى) لضعف رؤيته بسبب دقّته المتناهية، ويُكتب على قطع صغيرة تُسمّى (ورق الطير) و(قلم الجناح)، وسُمّيت (ورق الطير) كناية عن الأوراق والرسائل التي كانت تُكتب وتُعلّق في جناح الطائر(1). وبلغ بالخطّاطين أن كتبوا بعض آيات القرآن الكريم على حبّة الأرزّ، وازدهرت كتابة المخطوطات الحمائليّة في الدولتين الصفوية والعثمانية، وتؤرّخ مكتبات المتاحف حول العالم للكثير من هذه المخطوطات المحمولة التي عُرفت باسم (الحمائليّة) ومنها ما تحفظه المكتبة الوطنية في إيران، كالمصحف المثمّن الأضلاع وأبعاده: (3,3×3,1سم) بخطّ (عبد الحميد بن عبد الوهاب فتحان) الملقّب بـ(ناصر القميّ)، وهو محفوظ داخل علبة معدنيّة مزخرفة بنقوش نباتيّة. ومنها ما هو محفوظ في مكتبة (Lilly) بجامعة (Indiana) في أمريكا، إذ تضمّ (12) مخطوطًا قرآنيًّا صغير الحجم، منها مصحف كُتب في إيران عام (952هـ) مسجّل تحت رمز (AF.557)، عُثر عليه في آثار مخيّم عسكريّ تركيّ في ضواحي العاصمة (Vienna) في العام (1683م)، وكذلك يضمّ (متحف الفنّ الإسلاميّ) في القاهرة مجموعة نادرة من المصاحف الحمائليّة، منها مصحف فارسيّ في غاية الدقّة والإبداع الفنيّ، مخطوط في العام (1303هـ) وأبعاده (8×8,4) سم. تدلّ المصاحف الحمائليّة على صبر الخطّاطين وبراعتهم في رسم جلال الكلمة القرآنية، وهي لا تحثّ الباحثين على دراسة ما تضمّ من فنون الخطّ والزخرفة فقط، بل تدعوهم إلى التأمّل في مدى تعظيم المسلمين للقرآن الكريم، إذ ابتكروا هذه طريقة ليتمكّنوا من حمل المصحف الشريف في كلّ الأحوال والظروف الاستثنائية كالحروب، فأراد الله تعالى أن يحفظ كتابه الكريم في البلاد النائية عن بلاد المسلمين، وأن تبقى المصاحف الحمائلية شاهدة عبر القرون على الالتزام بحفظ كتاب الله تعالى، وأن تبقى شاهدة على الترابط بين العبد وكلام ربّ العزّة والجلال في أبهى صور الإتقان والخشوع. .......... (1) مجلة ثقافة المخطوط القرآني: ص 48.