)كل نفس بما كسبت رهينةٌ((1)
يعتقد المسلمون أنّ (المعاد) هو الوجود الثاني للأجسام، وإعادتها بعد موتها وتفرّقها(2)، فيؤمن كلّ مسلم بأنّه سيحشر بعد الموت، وتعود أجزاء بدنه بعد تفرّقها ليُحاسب، فيُثاب أو يعاقب على حسب ما قدّم من عمل، وهذا ما وعد الله تعالى به عباده وهو مقتضى حكمته من الخلق ومقتضى عدله سبحانه. ومن أبرز الأسئلة التي تُثار في ذهن كلّ مَن يعتقد بهذا الأصل هو: ما حقيقة حشرنا ومعادنا؟ هل سنُبعث بأبداننا الدنيوية هذه نفسها؟ أم التي ستُحشر هي أرواحنا دون البدن؟ انقسمت الأقوال في المعاد إلى (3) آراء: المعاد الروحاني، الجسماني، الجسماني الروحاني(3)، لكن الأدلّة العقلية والنقلية من الكتاب والسنّة تصرّح بأنّ المعاد جسماني روحاني، وهو إعادة الروح والبدن معًا في القالب الدنيوي نفسه، إذ قال تعالى في جواب مَن يستنكر إحياء العظام وهي رميم: )وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ۞ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ( (يس:78-79)، أي مَن هو قادر على الخَلق من العدم فهو القادر على الإعادة أيضًا، وعبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذلك بقوله: "عجبتُ لمَن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى"(4)، وقد تُثار شبهة بهذا الشأن مفادها: أنّ العلم الحديث أثبت أنّ جسم الإنسان وخلاياه تتبدّل في كلّ (7-10) سنوات، ومع مرور سنين عمره يكون قد اكتسب أبدانًا عديدة، فأيّ هذه الأبدان سيُعاد ويُحاسب، ويُعاقب أو يثاب؟! إنّ ظاهر بعض الأدلّة النقلية يؤكّد أنّ الأبدان التي ستحشر يوم القيامة هي أمثال الأبدان الدنيوية لا عينيتها كقوله تعالى: )أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ( (يس:81)، والضمير في (مثلهم) يعود للمشركين المنكرين للمعاد، وهذا يعرب عن كفاية المثل من غير حاجة إلى صدق العينية(5)، فلا مانع من أنْ تتعلّق الروح ببدن يماثل البدن الدنيوي من دون أنْ يتّحد معه من جميع الجهات، ويؤيد ذلك حديث الإمام الصادق (عليه السلام): "فإذا قبضه الله إليه صيّر تلك الروح إلى الجنّة في صورة كصورته، فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفهم بتلك الصورة التي كانت في الدنيا"(6)، فالإمام (عليه السلام) يذكر كلمة (صورة)، ولعلّ فيها تذكير بأنّه يكفي في (المعاد الجسماني) كون المُعاد متّحدًا مع المبدأ في الصورة من غير حاجة إلى أنْ يكون هناك وحدة في المادّة الترابية(7)، وقد كشفت الأبحاث العلمية أنّ معظم الخلايا العصبية في القشرة الدماغية تتشكّل في الرحم وتبقى معنا مدى الحياة، وكذلك خلايا عدسة العين، فلا تتغيّر أبدًا، إذن فلا تجديد كامل في كلّ خلايا البدن، وهناك أجزاء من البدن الأصلي لا تتغيّر ولا تتبدّل وتبقى حتى يموت. وأمّا كيف يُعذّب البدن على ذنب ارتكبه بدن آخر، فهذا التساؤل في أصله يرجع إلى إنكار حقيقة الروح والاعتقاد بأصالة المادّة، وأمّا لو عرفنا أنّ البدن ما هو إلّا أداة للإحساس بالتنعّم أو العذاب، والمتنعّم والمتعذّب الحقيقي هو الروح، فالفرح والحزن والألم كلّها أمور متعلّقة بالروح وما البدن إلّا كثوب تكتسيه الروح(8). إذًا المعاد يكون للبدن والروح معًا، وكلّ نفس في يوم المعاد بما كسبت رهينة، فإمّا مصيرها بعد الحشر إلى الجنّة منعّمة، أو إلى النار فتكون معذّبة. ........... (1) المدثّر: 38. (2) النافع يوم الحشر: ص86. (3) المبدأ والمعاد: ص374- 375. (4) غرر الحكم: ج2، ص35. (5) الإلهيات: ج4، ص441. (6) تفسير الميزان: ج1، ص364. (7) الإلهيات: ص 442. (8) المصدر السابق: ص443.