تعظيم الشعائر في القرآن الكريم وانعكاسه في النهضة الحسينية

رحاب حسين العريفاوي/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 5

تُعدّ الشعائر أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها دعائم الإيمان والارتقاء الروحي؛ لذلك حرص القرآن الكريم على ذكرها، وأهمّية تعظيمها، فلا تقتصر الشعائر على الطقوس والممارسات العبادية الظاهرة، بل تشمل الإيمان والتضحية وتقديم كلّ ما يقرّب العبد إلى الله (عزّ وجلّ) وتعظيمه في النفس والسّلوك، ويتجلّى هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى: )ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ( (الحجّ: 32). و(الشعائر) جمع (شعيرة) وهي العلامة، وشعائر الله الأعلام التي نصبها الله تعالى لطاعته(1) مثلما قال تعالى: )إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ((البقرة:158)، وقوله تعالى: )وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ ((البقرة:36). إنّ تعظيم الشعائر يجب أنْ يتجاوز الصورة الشكلية؛ ليكون انعكاسًا للتقوى المستقرّة في جذور القلب التي يترجمها المؤمن في حياته، والتزاماته ومعاملاته ومواقف الحقّ ورفض الباطل؛ لأنّ الدين قائم على المعاملة، والشعائر في المفهوم القرآني ذات دلالات أكثر سعة وشمولية، فهي تشمل العبادات كالصلاة والحجّ، وقد قال تعالى: )وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ( (الحجّ: 72)، إضافةً إلى كونها تشمل التفاعل مع الرموز الدينية والأحداث التي تمثّل معالم الهداية الإلهية، ومن هذا المنطلق يُعدّ تعظيم الشعائر صيانة لهذه المعالم من التزييف، والتحريف، والاندثار، وإحياؤها في وجدان الأمة بوصفها منارات للحقّ، لا مجرّد استذكار لمناسبات عابرة. ومن أسمى مصاديق هذا التعظيم في التاريخ الإسلامي هي القضية الحسينية التي شكّلت تجسيدًا واقعيًّا عمليًا لقيم القرآن الكريم ومقاصده، فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج طلبًا للدنيا، إنّما إحياءً لشعائر الله تعالى التي كادت أنْ تُطمس في زمن الانحراف، فكان شعاره الخالد: "إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي محمّد"(2) الذي بدوره عبّر عن عمق ارتباط نهضته الإصلاحية بمبادئ القرآن الكريم، وتعظيمه لشعائر الله تعالى، وإحياء دينه وسنّة نبيه محمّد (صلّى الله عليه وآله)، إذ مثّلت واقعة كربلاء أسمى مراتب التعظيم لكونها حوّلت الدماء الزاكية إلى قيم، والمبادئ إلى مواقف خالدة يمتدّ شعاعها على مرّ العصور، فالتضحية بالنفس، والثبات على منهج الحقّ، ورفض الظلم، وإعلاء كلمة الله تعالى من دون خوف كلّها شعائر حيّة جسّدها الإمام الحسين وآله (عليهم السلام) في كربلاء؛ لذلك صارت طهارة الدم المقدّس مدرسة عَبر الزمن، تعلّم الناس تعظيم الشعائر جيلًا بعد جيل. إنّ إحياءنا السنوي للقضية الحسينية ليس مجرّد حزن، أو استذكار لحدث تاريخي عابر، إنّما تعظيم لشعيرة كبرى تذكّرنا بمعايير الحقّ، وتوجّهنا نحو القيم القرآنية الأصيلة، ومن هذا المنطلق صارت كربلاء رمزًا للكرامة، وفكرًا تُستلهم منه النهضة، مستحضرين بواسطته روح القرآن في مواجهة الظلم وتجديد العهد مع مبادئ العدالة الإلهية. إنّ تعظيم الشعائر في القرآن الكريم لا يمكن أنْ يكون مفهومًا تنظيريًا فقط، بل هو منهج يرسم للإنسان طريق الحياة؛ ليتّخذ المواقف التاريخية الكبرى، وفي مقدّمتها نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) شعيرة مُتجدّدة، تعلّم الإنسان الوفاء للحقّ، والإخلاص في الدين، والثبات على المبدأ؛ ليكون حاضرًا في ميدان الإصلاح، ويبقى صوت القرآن الكريم صادحًا في ضمير الأمّة. .......... (1) الميزان في تفسير القرآن: ج14، ص194. (2) الفتوح، الكوفي: ج5، ص21.