استراحة قصيرة

خلود ابراهيم البياتي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 7

قبل البدء في القراءة، حاولي أنْ تأخذي نَفَسًا عميقًا ثم تخرجيه بزفير بطيء تلفظين معه بعضًا من الثقل القابع على صدركِ، كي نتهيّأ سوية لاستراحتنا الجميلة. ربّما راودت بعض القارئات مشاعر السعادة أو الاطمئنان حين لمحت أعينهنَّ العنوان المذكور، فمجرّد قراءة كلمة (استراحة) يأخذنا الى عالم آخر من الذكريات السعيدة والمواقف التي لا تُمحى من الذاكرة، والتي نحتاجها بشدّة في ظلّ طبيعة الحياة وما أصبحت عليه من تسارع، فالكلّ يلهث وراء إتمام أعماله ومسؤولياته بكلّ ما أُوتي من قوة، ثم ما يلبث أنْ يرى أنّه قد وضع نفسه في نهاية القائمة، إذ لا يصل إليها الدور إلّا نادرًا. لعلّ من أبرز الأمور التي تجعلنا نضع أنفسنا في نهاية القائمة هو السعي إلى الكمال في إتمام كلّ عمل، فالبحث الدائم للحصول على تقييم (100%) يحول بيننا وبين إحدى طرق الشعور بالراحة، ألا وهي عملية التفويض، فنجد مثلًا الأمّ في المنزل تقوم بإعادة غسل الأواني بعد أنْ أكملت ابنتها المطلوب، وعلى الضفّة الأخرى نجد القائد الساعي نحو الكمال أيضًا تخور قواه من الجهد والتعب ولا يقبل أنْ يفوّض تنفيذ بعض الأعمال إلى غيره، في هذا الحال تتلبّد السماء بسحب مليئة بالشحنات السلبية من التوتّر المفرط، والقلق المذموم الذي يصاحبه انزعاج وصعوبات مختلفة، فتهطل أمطار من عدم الشعور بالراحة والاطمئنان لأيّ شيء، والرغبة الشديدة في إعادة العمل لأكثر من مرّة في سبيل الوصول إلى الكمال، وهنا تلوح في الأفق الآية الكريمة: )لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا( (البقرة: 286) وما تحمله من لطف إلهي، ونتناول هنا فقط الجانب الخاصّ بالطاقة الجسدية وليس كلّ ما تشمله كلمة (الوسع). إنّ الضغط المستمرّ الذي يرافق الوصول إلى المثالية في كلّ عمل نقوم به يؤدّي إلى الإنهاك النفسي الذي قد يظهر في صورة تعب دائم، وفقدان الحافز، أو الانسحاب من المسؤوليات، إذ مع الوقت تتحوّل كلّ مفاصل الحياة إلى مَهمّات يجب إتمامها بدقّة متناهية وجدّية صارمة، فتتوقّف المرونة والشعور بالمتعة والسعادة حتى في اللحظات البسيطة مع العائلة، وهنا يدقّ ناقوس الخطر للوقوف والتقاط الأنفاس. توقّفي عند نقطة جيّدة بدلًا من الانهيارعند استنزاف الطاقة، واستبدلي جملة (يجب أنْ أكون الأفضل) بأخرى (أنا أبذل ما أستطيع)، ووزّعي طاقتكِ بوعي، وليكن الهدف هو رضا الله تعالى وليس الصورة المثالية أمام الآخرين، واستمتعي باستراحة قصيرة مفعمة بالسعادة والطمأنينة.