تراتيل الوجع بين سم الحسن (عليه السلام) وأنقاض سامراء

زبيدة طارق الكناني/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 4

حين يثقلُ الحزن القلوب كغيمةٍ لا تمطر إلّا وجعًا، تتشابك الذكريات بأطراف التاريخ، فتقودنا من ديار الحسن المجتبى (عليه السلام) إلى أوجاعِ سامرّاء حيثُ ما يزال الصمتُ يروي حكايات الألم. هنا، في شهر صفر لا يكون الحزنُ حدثًا عابرًا، بل امتدادًا لجرحٍ واحدٍ تعدّدت أماكنه، واختلفت أزمنته، كأنّ الإمام الحسن (عليه السلام) ما يزال يعاني بصمت، يُواري سُمَّه في صبر عميق، ويُعلّم القلوب كيف يكون الألمُ ساكنًا لا يُسمع، لكنّه يُوجِع. أيُّ جرحٍ ذاك الذي بلغ الروح حتى صار دمعًا لا يلين؟ وأيُّ غدرٍ ذاك الذي طال قلبًا امتلأ بأسرار النبوة ونقاء اليقين؟ لقد تحوّل الحلمُ يومها إلى قبرٍ صامت، يحتضن صبر إمامٍ لم يُقابل الأذى إلّا بالحلم، ولم يترك للألم إلّا أنْ يكون شاهدًا على عظمته، ومن هناك، من المدينة المنوّرة، يبدأ خيط الحزن ممتدًّا حتى سامرّاء كنبضٍ لا يتوقّف، كأنّ المصاب واحد وإنْ اختلفت وجوهه. وفي سامرّاء، حيث القباب التي هُدِّمت، لم يكن السقوط سقوطَ حجر، بل اختبارًا للقلوب، ومع ذلك لم يُهدم في الأرواح ذِكرُ الطاهرين، ولم ينطفئ ذلك النور الذي يسكن الوجدان، فسامرّاء لا تبكي جدرانها، بل تبكي وجعًا متجدّدًا، وصوتًا لا يزال يتردّد في أعماقها، صوت الطهر الذي علّم الدنيا معنى الثبات، كأنّ الأرواح تتعانق بين المدينة وسامرّاء، بين مسمومٍ صابرٍ على فراش الشهادة، وبين قبابٍ تهدّمت لكنّها لم تنكسر، كأنّ الرسالة واحدة: إنّ الحقّ قد يُحارب لكنّه لا يُهزم. في صفر، نبكي الإمام الحسن (عليه السلام) لا لأنّ الموت أخذه، بل لأنّ الغدر خانه، ونبكي سامرّاء لا لأنّ القباب سقطت، بل لأنّ القلوب ما تزال تُختبر بصبرها، وبين هذا وذاك يتعلّم القلب أنّ الوفاء ليس دمعةً فقط، بل ثباتًا على الطريق. يا شهر صفر، يا ذاكرة الألم النبيل، علّمنا كيف نحمل الحزن بكرامة، وكيف نحوّل الفاجعة إلى عهد، فمثلما بقي الإمام الحسن (عليه السلام) أسوة في الصبر، ستبقى سامرّاء شاهدةً أنّ نور أهل البيت (عليهم السلام) لا يُطفأ مهما تكاثفت ظلمات الزمن.