الرّحلة التي لم تنته

منتهى محسن محمد/ بغداد
عدد المشاهدات : 5

استقلّوا السيارة وانطلقوا مع شعاع الفجر بوجوهٍ مستبشرة، يحملون خفّةً غريبة، مزاحٌ لطيف، وابتساماتٌ مشرئبة بروح الفداء، وأعينٌ مكحّلة بخيط الوداع، لم تمضِ دقائق حتى امتلأت المقاعد، وبعد مضي بعض الوقت والركّاب صامتون بعد مغادتهم حدود محافظتهم كأنّهم يودّعون ذكرياتهم، حتى كسر هذا الهدوء البطل (حسين) ذو السحنة السمراء المحبّبة والحاجبين الأسودين المعقودين، وهو ينظر إلى الأفق مُتسائلًا بصوتٍ عال: _الغريب أنّ الإنسان لا يفهم الحياة إلّا حين يقترب من نهايتها! ابتسم رفيقه (كرّار) مجيبًا: أو ربّما يفهمها متأخّرًا على الدوام. تدخّل (أمير) بصوتٍ هادئ: المهمّ هو كيف نُغلق الصفحة، لا كم صفحة كتبنا. كان السائق يصغي بقلبه، فمن جهة يراقب الطريق بعينٍ، وبالعين الأخرى يحدّق في وجوه الرجال التي لمح فيها قوة الإرادة، وشدّة العزم، وشجاعة البطل المغوار، كان لأصواتهم صدى خفيّ شدّ قلبه إلى الإصغاء قسرًا في تلك الرحلة الأخيرة، إذ كانت كلماتهم تنبع من صدورهم دفقًا عميقًا أخرويًّا، حتى سألهم أخيرًا: ألا تخافون؟ ردّ (حسين) الذي كان في المقدّمة: كلّ إنسان يشعر بالخوف، لكنّنا لا نريده أنْ يتحكّم في شكل حياتنا. ثم أردف (كرّار): الخوف لا يختفي، لكنّه يتراجع حين تعرف جيدًا لماذا تمضي. وختم (أمير): يا عمّ، درب الأحرار مهما كان شديدًا، فهو أعذب من رشفة ماء في يوم قائظ. توقّفت السيارة قرب نقطة ترابية غائرة في عمق التحدّي والوعي، نزلوا تباعًا وهم يصافحونه بحرارة، وبعضهم عانقه، كأنّهم يعرفونه منذ زمنٍ طويل. قال له أحدهم قبل أنْ يغلق الباب: إنْ عدتَ فاحكِ عنّا، لا بوصفنا أبطالًا، بل رجالًا اشتروا الآخرة وتاجروا مع الله تعالى. حينها أخذته الحيرة واحتواه الألم بعدما عاد وحده في الطريق ذاته، لكنّه صار طويلًا وكئيبًا، وكان الصمت هذه المرّة أثقل من أيّ حديث، مرّت سنون عدّة بكلّ شقائها وألمها والتي نقشت ملامح الهرم على وجهه، واشتعل رأسه شيبًا، حتى خارطة الطرق تبدّلت، وذات يوم توقّفت سيارته فجأة قرب مقبرةٍ صغيرة على أطراف المدينة، استوقفه شعور بالألفة لهذا المكان أو لمَن يرقد فيه، نزل ومشى بين شواهد القبور حتى أوقفته أرواحهم ليقرأ الأسماء ذاتها، تلعثم وتحشرج صوته، وشخصت عيناه وهو يدور بين الصور حتى وجد الوجوه التي لم يسأل عنها، فأخذته الذاكرة إلى ذلك اليوم وتذكّر ضحكاتهم وكلماتهم، ووصيّتهم الأخيرة، جلس قرب تلك الشواهد طويلًا، ثم نظر إلى الأفق، أحسّ أنّه يحمل ما تركوه في قلبه وكيانه، حتى قال بهدوء: أنا هنا، سأحكي عن ثقتكم بالقضية، وإصراركم على الشهادة، سأحكي عن كبريائكم وشهامتكم، عن طريقكم الذي لم يكن نهاية لكم، بل بدايةً لنا. حين نهض أدرك أنّ شيئًا ما قد قُذف في قلبه، فلم يعد سائق مركبةٍ فحسب، بل صار شاهدًا على تضحية الأبطال، ففي كلّ طريق يسلكه يستشعر وجودهم كأنّهم معه يملؤون المقاعد، ويذكّرونه أنّ الحياة تُقاس بما نمنحه فداءً للعقيدة والوطن، لا بما نحتفظ به. انحنى على الأرض وأخذ قبضةً من تراب قبورهم، شمّها بعمق، ودسّها في جيبه وهو يردّد: هكذا يطوي شهداء الحشد سيرتهم بالعزّة والكرامة.