إرث المجد الهاشمي
حين نتأمّل سيرة الشخصيات المقدّسة، فإنّنا نكتشف أنّ قيمتهم الحقيقية لا تكمن في سرد الأحداث التاريخية المجرّدة، بل في ذلك الأثر الممتدّ الذي تركوه ليخاطب وجداننا وتصدّعات واقعنا المعاصر. ومن الشواهد الخالدة هي السيّدة الجليلة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) التي قدّمت سيرتها النورانية منهجيةً للحياة، نحتاج إلى الاقتداء بها في كلّ زمان بخاصّة في زماننا الحالي حيث ضعفت فيه الأواصر الإنسانية وغلبت عليه المادّيات؛ لتعيد (عليها السلام) إلينا صياغة مفاهيم القداسة والإخلاص والعطاء اللامحدود والالتزام الديني والأخلاقي. هذه السيّدة الطاهرة المطهّرة اصطفاها الله تعالى لتحمل آيته الكبرى وتضعه في جوف البيت العتيق تشريفًا لبيته الحرام، إذ قالت (عليها السلام): "إنّي فُضّلتُ على مَن تقدّمني من النساء، لأنّ آسية بنت مزاحم امرأة فرعون عبدت الله سرًّا في موضع لا يحبّ أنْ يُعبد الله فيه إلّا اضطرارًا، وإنّ مريم بنت عمران هزّت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطبًا جنيًا، وإنّي دخلت بيت الله الحرام وأكلتُ من ثمار الجنّة وأرزاقها، فلمّا أردتُ أنْ أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة، سمّيه عليًّا وهو عليّ، والله تعالى العليّ الأعلى يقول: إنّي شققتُ اسمه من اسمي...."(1)، فضلًا عن كونها قدّمت أروع صورة عن الأمومة عندما تفانت في حبّ سيّد الخلق محمّد (صلّى الله عليه وآله) وولائه، ونذرت نفسها وأولادها في خدمته ورعايته، فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهما السلام) أنّه قال: "لمّا ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم كفّنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قميصه وصلّى عليها، وكبّر عليها سبعين تكبيرة، ونزل في قبرها فجعل يومي في نواحي القبر كأنّه يوسّعه ويسوّي عليها، وخرج من قبرها وعيناه تذرفان، فلمّا ذهب قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله، رأيتُكَ فعلتَ على هذه المرأة شيئًا لم تفعله على أحد، فقال (صلّى الله عليه وآله): يا عمر، إنّ هذه المرأة كانت أمّي بعد أمّي التي ولدتني، إنّ أبا طالب كان يصنع الصنيع وتكون له المأدبة وكان يجمعنا على طعامه، فكانت هذه المرأة تفضل منه كلّه نصيبًا، فأعود فيه، وإنّ جبريل (عليه السلام) أخبرني عن ربّي (عزّ وجلّ) أنّها من أهل الجنّة وأخبرني جبريل أنّ الله تعالى أمر سبعين ألفًا من الملائكة يصلّون عليها" (2)، ولمّا فرغ (صلّى الله عليه وآله) من دفنها قال: "رحمكِ الله يا أمّي، كنتِ أمّي بعد أمّي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني وتمنعين نفسكِ طيب الطعام وتطعميني، تريدين بذلك وجه الله (عزّ وجلّ) والدار الآخرة"(3). مثلما كانت السيّدة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) أول امرأة بايعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعد السيّدة خديجة (عليها السلام)، فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "أنّ فاطمة بنت أسد لمّا نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ...﴾ (الممتحنة:12)، كانت فاطمة أول امرأة بايعت رسول الله بعد أمّ المؤمنين خديجة"(4)، ممّا يدلّ على مؤازرتها لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في دعوته فضلًا عن سائر مواقفها الجليلة بحقّ خاتم الأنبياء (صلوات الله عليهم أجمعين)، فالسلام عليها يوم وُلدت ويوم ارتحلت ويوم تُحشر مع محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم). ........... (1) الآمالي: الشيخ الصدوق، ص169. (2) بحار الأنوار: ج35، ص 74. (3) المصدر نفسه: ج 35، ص 115. (4) المصدر نفسه: ج35، ص 116.