تجلى الصبر في محراب الشهادة
منذ نعومة أظفاره كان مشدودًا إلى محراب الطاعة، مؤيَّدًا بالحكمة قبل أوانها، هكذا كان نبيّ الله يحيى بن زكريا (عليهما السلام)، ومثلما ذُكر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "ما من عبد عبد الله عزّ وجلّ إلّا وقد أخطأ أو همّ بخطأ ما خلا يحيى بن زكريا، فإنّه لم يذنب، ولم يهم بذنب"(1)، فقد جاء يحيى (عليه السلام) ثمرةَ دعاءٍ صادقٍ من نبيّ شيخٍ هرم، زكريا (عليه السلام) حين ناجى ربّه، فاستجاب له، مثلما في قوله تعالى: )يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى( (مريم:7)، وما كان هذا الميلادُ عاديًا، بل كان ميلاد رسالةٍ في جسد طفل، فقد قال تعالى: )وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا( (مريم:12)، فكان صبيًّا في العمر، كبيرًا في الحكمة، صغيرَ الجسد، عظيمَ الروح، فحكمة الله تعالى تقتضي إيتاء الفضائل والكرامات مَن هم في سنّ الطفولة، ويكون لهم شأن كبير في مجتمعاتهم، وقابلية واستعداد على النبوّة والهداية والإرشاد والقيادة، فكان النبي يحيى (عليه السلام) شعاره الزهد، وزاده الصبر، وقد عاش (عليه السلام) حياة التقشّف، والرغبة عن ملذّات الحياة الدنيا ومباهجها، والورع عن محارم الله، والبرّ بوالديه والرأفة بالناس والتواضع لهم، والحرص على هدايتهم وإعانتهم. وقد تمتّع (عليه السلام) بالصبر واحتمال الأذى حين وقف في وجه الانحراف، ولم يساوم على الحقّ، ولم يهادن في الحكم الإلهي. دمٌ يُحيي القيم: إنّ شهادة النبي يحيى (عليه السلام) ليست حدثًا تأريخيًا عابرًا، بل مبدأ عقائدي عميق، يُجسّد أنّ طريق الأنبياء (عليهم السلام) محفوفٌ بالتضحية، وأنّ حفظ الدين قد يتطلّب بذل النفس. وقد جاء في الروايات الشريفة أنّ أتقى الناس وأشرفهم وأكرمهم عند الله تعالى قد قُتل بيد الأشقياء والأشرار، فالنبي يحيى (عليه السلام) قد قُتل في محراب الحقّ، وأُهدي رأسه إلى إحدى البغايا، استجابة لنزوةٍ رخيصةٍ وحقدٍ أعمى. وما أشبه الذي جرى لريحانة النبي (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السلام) بما جرى لنبي الله يحيى (عليه السلام) إذ قُتل بيد أحد الفجرة، وأُهدي رأسه الشريف إلى دعيّ ابن دعيّ. يتجلّى الصبر في أبهى صوره حين يقدّم حجّة الله (عزّ وجلّ) نفسه قربانًا للحقّ(2). ............ (1) تفسير الإمام العسكري: ص661. (2) راجع القصص القرآنية: ص372-375 (بتصرف).