الرسول والرسالة: أمة لا تموت

ثائرة جابر مرتضى/ لبنان
عدد المشاهدات : 4

في ذكرى استشهاد خاتم الأنبياء والمرسلين النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله) لا نستعيد ذكرى تاريخية لرحيل شخص النبي (صلّى الله عليه وآله) عن الحياة الدنيا، بل نستحضر لحظة تحوّل كبرى في تاريخ البشرية، اللحظة التي انتقلت فيها الرسالة الإلهية من مرحلة التأسيس برعاية الوحي المباشر إلى مرحلة الاستمرارية والامتداد عبر الزمن بوصفها أطروحة عالمية لا تحدّها الجغرافيا ولا تقيّدها العصور. كانت الدعوة الإسلامية إيذانًا بانطلاق المشروع الإلهي في آفاقه الكونية؛ ليتحوّل الإسلام خاتمة الرسالات من دعوة في شبه الجزيرة العربية إلى دستور حياة كامل وبناء صلب للأمة وللمجتمعات التي تطمح لإقامة دولة الحقّ والعدل الإنساني. لقد أرست الرسالة الإسلامية قواعد متينة، ومنهجًا حركيًا يلامس أدقّ تفاصيل الحياة اليومية، فقد ركّز النبي (صلّى الله عليه وآله) على بناء الإنسان الذي يحمل روح المسؤولية، وجاءت شمولية التشريع في تبليغ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لرسالة تنظّم جميع العلاقات، من علاقة الفرد بخالقه، وعلاقة الفرد بأخيه الإنسان، وعلاقة الفرد بالكائنات الأخرى، وهذا الشمول جعل الإسلام صالحًا لكلّ زمان ومكان. لم تكن الدولة التي أسّسها النبي (صلّى الله عليه وآله) في المدينة المنوّرة دولة عرقية أو قومية، بل أسّس بنيانها على العقيدة الحقّة؛ لتمتدّ عَبر القرون إلى قيام الساعة، وكانت وثيقة المدينة أول دستور مدني مكتوب في التاريخ، إذ أرسى النبي (صلّى الله عليه وآله) ما يُعرف اليوم بمبدأ المواطنة الذي يتساوى فيه الجميع في الحقوق، بغضّ النظر عن الانتماء القِبلي أو الديني، وهذا الأساس هو الذي يجعل الأمة الإسلامية أمة عالمية تستوعب الثقافات المختلفة وتصهرها في بوتقة التوحيد، وتأكيدًا على المساواة القائمة على قيمة الإنسان وكرامته، ألغى النبي (صلّى الله عليه وآله) جميع القيود القِبلية والعصبية الجاهلية، وأحلّ محلّها رابطة العقيدة والهدف المشترك، هذه الرابطة التي من شأنها أنْ تمنح الأمة الصمود أمام أعنف الهزّات الفكرية والاجتماعية المختلفة؛ لأنّها قائمة على ثوابت إلهية لا تموت بموت الأشخاص. إنّ الرسالة الإسلامية جاءت لتحرّر الإنسان من شتى أنواع العبودية، ولتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهي أكبر عملية إسقاط لأنظمة الاستبداد في التاريخ، الاستبداد السياسي والاقتصادي والثقافي، فلم يكن صراع المشركين والقوى المستكبرة مع النبي (صلّى الله عليه وآله) صراعًا دينيًا، بل كانوا يسعون إلى الإبقاء على هيمنتهم على رقاب الناس والتحكّم بمصائرهم. إنّ إرساء مبدأ لا فضل لعربي على أعجمي إلّا بالتقوى كان صرخةً مدوّيةً في وجه أنظمة الهيمنة الطبقية والعنصرية، وشكّل مقدّمة لتعبيد الطريق أمام الشعوب عَبر تحرير العقل من الخرافة وتحرير الإرادة من الخوف، وثورة المستضعفين على الجلّادين. خلّف النبي (صلّى الله عليه وآله) من بعده الثقلين: الكتاب والعترة الطاهرة (عليهم السلام) امتدادًا لوجوده المقدّس للوصول إلى دولة العدل الإلهي المطلق، دولة الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف) الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما مُلئت ظلمًا وجورًا.