"لا إله إلّا الله حصني فمن دخل حصني أمن عذابي"
"لا إله إلّا الله حصني، فمَن دخل حصني أمن عذابي" قال: فلمّا مرّت الراحلة نادانا: "بشروطها وأنا من شروطها"(1). ومضت الراحلة به بأبي هو وأمّي، تاركًا علماء القوم وكلّ مَن وصلته سلسلة سلطان الوجود الذهبية بين الحصن والشروط، فتصوّر أنْ تبقى حائرًا لا تعلم أين، وكيف تولّي وجه سعيكَ المنجي؟ لهو محنة كبرى، وأنْ تُرمى لكَ سلسلة النجاة من العروة الوثقى التي لا انفصام لها، وقلبكَ لا يقوى على التشبّث بها، لهو محنة المحن التي تتساقط حولها كلّ المحن. نور محمديّ، سرّ علويّ، جذبة فاطميّة تأسر قلوبهم، أولئك الذين لم يشايعونه ويبايعونه عقديًّا فحسب، بل انعقدت نبضاتهم وأفكارهم بعظيم ما أولاه الله تبارك وتعالى من العلم الإلهيّ، بخصائص نفسه المقدّسة جلاليًا وجماليًا وبهائيًا حتى راحوا يتهافتون حول نوره كالفراش، وينهلون من نميره كلّ ما يحيي القلوب والعقول. هناك إذ تقدّست تلك البقعة، وتزاحمت الأقدام، فالكلّ يرمق ببصره متلقّفًا نورًا يسير بين الزحام، وطئ أشرف المحامل، فكان مطمع الحشود المنتظرة هناك. نيسابور، نعم نيسابور التي حباها الجليل تبارك وتعالى بمرور محمل القداسة، إنّه الإمام (عليه السلام) الحجّة على العباد، الطاهر ابن الطاهرين عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام)، ولكلّ محبّ وموالٍ نصيب من مروره الأقدس، ولقائه الأنفس، فالسعيد مَن حظي بصره برؤية إمام زمانه، والأسعد مَن كان لبصيرته الحظّ الأوفى من ذلك اللقاء. فيض من الكلمات تزدحم به حناجر السائلين، وأنّى للمشتاقين من سبيل يبرد غلّة قلوبهم، وأسئلة طالما تحيّرت بها ألبابهم غير أجوبة ترد من منابع العلم وأصوله، فيزيد كَيل الهدى بقوله: "بشروطها، وأنا من شروطها"، إنّها حكمة التوحيد العظمى، المتّحدة بـ(لا إله إلّا الله) نفسها، فالعبودية الحقّة هي أنْ تتّبع سبيل ربّكَ بما وكما يشاء جلّ وعلا. ونفهم من تجلّيات هذا الحديث أنْ تعبد الله تعالى لأنّكَ مؤمن به، ثمّ لا توالي وليّه تعنّتًا وتعصّبًا، فالأمر بالخطورة ذاتها مع موالٍ يظنّ بنفسه خيرًا من دون إذعان لأوامر وليّ الله سبحانه، فسلسلة النور لا تقبل تفكيكًا، سلسلة ذهبيّة جلّ الصلاح والفلاح بها ومعها، إنّها المنجية بكمالها وتمامها، لا بحيازة حلقة دون أخرى. إنّها إحدى أعظم مواريث أهل بيت الرحمة (عليهم السلام)، لاسيّما مَن اقترن ذكره بها، يضعها بين قلوبنا بوصلةً ومنارًا، منجاة كلّ عبد فكرة وتطبيقًا. سيّدي ومولاي السلطان عليّ بن موسى الرضا، السلام عليكَ يوم وُلدت ويوم أبلغتَ عن الله تبارك وتعالى بكلّ مهجتكَ ونفسكَ، ويوم كابدتَ ظلم أهل البغي والعدوان، ويوم تجرّعتَ السمّ غريبًا بأرض طوس، تجود بنفسكَ بعيدًا عن عيالكَ وأهل بيتكَ، ويوم استُشهدتَ مظلومًا مسمومًا. .............. (1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج2، ص134.