براءة في عالم الفواجع
أتمّت عامها الرابع حين انعتقت روحها خفيفة كطيف طير جريح، محلّقة إلى بارئها مقهورةً بعد أنْ أثقل كاهلها ظلم لا يطيقه الكبار، طفلة وُلدت في زمن يتقن فيه الطغاة توريث القسوة، ويعلّمون أبناءهم كيف يحسنون صناعة سفك الدماء، نمرود عصرها كان نسخة أكثر تشوّهًا من أبيه، تعلّم منه كيف يخالف في الرأي فيشهر السيف. بكت الطفلة فارتجف المدى، كانت أكثر الناس التصاقًا بأبيها، ظلّه أنيسها وأمانها الكبير. لم تره حين قُتل وقُطع رأسه الشريف، وحين هجموا على المخيّم استيقظت مذعورة، رأت الخيل والنار. بحثت بعينيها الصغيرتين عن وجه أبيها، سألت فخافت العمّة أنْ تفجعها، قالت: "سافر والدكِ يا حبيبتي". سمعت الطفلة لاحقًا عن مقتله، وما فُعل بجسده الطاهر. حين وزّع ذلك الجيش المتوحّش الماء على الأيتام العطاشى، جاء بقليل منه إلى الطفلة، تناولت القدح بيديها الصغيرتين، ثم سألت: "أسقيتم والدي؟" _ لا. لم تشرب.. في تلك الليلة تولّت العمّة حراسة الأطفال، قاومت التعب طويلًا، هوّمت عيناها، سمعت في منامها نداءً مفزعًا: بنيّتي، كيف يغمض جفنكِ وطفلة أخيكِ ليست في الخيمة؟ استيقظت مذعورة، بحثت عنها في كلّ مكان، لم تجدها، كان الليل موحشًا يخافه الكبار، فكيف بطفلة؟ عجيب أمرها كيف خرجت في ذلك الليل، وكيف تعرّفت على جسد أبيها من بين مئات الأجساد؟ سمعت العمّة تأوّهًا طويلًا وصوتًا يقول: "أبي، هذه حصّتي من الماء، جئتُ بها إليكَ، سمعتُ الأطفال يقولون إنّكَ قُتلتَ عطشانًا، فلا أشرب حتى تشرب". دنت منها العمّة بحزن: بنيّتي، ماذا تفعلين هنا؟ _ أردتُ أنْ أسقيه الماء، عمّتي، أين رأس والدي؟ _ ضعي الماء على منحره يا صغيرتي. مرّت الأيام والطفلة مرافقة لرأس أبيها حتى استقرّوا في الخربة. هناك غفت عين الطفلة، فرأت أباها في المنام، تحدّث معها قليلًا ثمّ انصرف.. انتبهت فزعة، سألتها عمّتها: _ ما بكِ يا نور عيني؟ _ رأيتُ أبي، كان هنا. _اصبري وتجلّدي بنيّتي. _لا والله، أريد والدي. ارتفع البكاء والنحيب، سمع الطاغية الصراخ، فسأل، قيل له: طفلة حنّت إلى أبيها. _ قال: خذوا إليها رأس أبيها.. ما أقساها من جملة! لكنّها تشهد عند ربّها، وتدين الظالم وتغلّه بظلمه. فجاؤوا بالطشت، انكبّت الطفلة عليه صارخة، احتضنته وما لبثت أنْ هدأت. ظنّ الجميع أنّها نامت، قال لهم الإمام زين العابدين (عليه السلام) بحزن أشدّ من الجمر: ارفعوا الطفلة عن رأس أبيها فقد ماتت. هكذا أغلقت الطفلة حكايتها القصيرة بسنيها، الطويلة بآلامها، تاركة للعالم درسًا: أنّ البراءة حين تُحاصر بظلام الظلم، تتحوّل إلى نور الشهادة.