إمام قاد الأمّة من خلف القضبان

أزهار عبد الجبار
عدد المشاهدات : 2

في السابع من شهر صفر عام (128هـ) تبارك النور بإبصاره وجه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وتقدّست أذن الصباح بالاستماع لأنفاسه الشريفة الأولى في منطقة (الأبواء)، تلك البقعة الواقعة بين مكّة والمدينة، كأنّها كانت على موعد مع ميلاد نور يكمل سلسلة الهداية الذهبيّة. نشأ الإمام الكاظم (عليه السلام) في كنف والده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)؛ ليكون امتدادًا مباركًا لسلسلة الإمامة الكبرى، وقد أخبر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) شيعته قائلًا: "ابني موسى هو الإمام من بعدي، وعنده علم ما يحتاج إليه الناس"(1)، وعنه أيضًا: "خلّفتُ من بعدي ابني موسى وهو أفضل وُلدي، وهو القائم مقامي"(2). عندما خلّف الإمام الكاظم (عليه السلام) أباه اشتدّت دولة الظلم ونشطت عيون السلطة والعَسس، فتصدّى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) للانحرافات الفكرية والعقائدية وغيرها من وراء القضبان، فلم تَحلْ القضبان بينه وبين محبّيه وشيعته، إذ تولّى قيادة الأمة وهدايتها من داخل سجنه موجّهًا النخبة من أصحابه بتدبيره الربّاني، جامعًا صفوف الشيعة في الخطّ الرسالي ليستمرّ في أحلك الظروف، منها أمره (عليه السلام) (هشام بن الحكم) بالتوقّف عن المناظرات في مرحلة حسّاسة، إذ كانت السلطة ترصد علماء الشيعة تمهيدًا لاستهدافهم(3)، فأمر الإمام الكاظم (عليه السلام) أصحابه بالصمت المرحلي؛ ليحوّل (عليه السلام) المقاومة السرّية إلى قوة كامنة؛ فالمواجهة لا تكون دائمًا علانية، بل بالصبر وبناء الوعي وترسيخ الهوية. مثلما قام الإمام الكاظم (عليه السلام) بتوثيق إمامة ابنه عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) أمام كبار أصحابه وخواصّه، والوصيّة له، ونقل الأموال والودائع إليه؛ لقطع الطريق أمام أيّ شكوك مستقبلية؛ لتكتمل السلسلة الذهبية التي لا تنحلّ عراها، طهّرها الله سبحانه تطهيرًا. ............ (1) الكافي: ج1، ص309. (2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج1، ص31. (3) فهرس الرجال للكشّي: ج2، ص279.