نيف وسبعون
مولاي يا أبا محمّد، يا معزّ المؤمنين برغم أنف كلّ مستكبر، نقف على أبواب التاريخ لنستطلع بعض خفاياه، ونستقرئ بعض أسراره، منها أسرار حياتكَ الشريفة وشهادتكَ المنيفة.. تموج الأحداث وتهيج الذكريات والآلام، فلقد أوجعنا مصاب خيرة الأنام، وطأطأ القلب والهام وانقطع سبيل الكلام.. لكنّنا نعلم أنّ العزّة لله جميعًا، وأنّ الإمام ابن الإمام أخا الإمام هو العزيز المعزّ وإنْ بدا في الظاهر غير ذلك! صالح بعد صالح اغتالتكم يد الطغام، وصادق بعد صادق غيّبتكم مطامع اللئام.. لا نتعجّب ولا نستغرب، فذاك ديدن الدهر الخؤون، لكنّ المؤمنين منْ بعد غلبهم سيغلبون.. تستوقف انتباهنا لحظات وكلمات لها دلالات، وأعداد منْ سجّل الغيب لها صفات.. نيّف وسبعون رجلًا هي عدّة أصحاب جدّكَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في وقعة (بدر) الكبرى، أول انتصارات الإسلام.. ونيّف وسبعون فرقةً انشقّ إليها المسلمون ولم تنجُ منهم إلّا واحدة ناجية، هي شيعتكَ وشيعة أبيكَ وأخيكَ والتسعة المعصومين منْ بنيه.. ونيّف وسبعون سهمًا أصاب نعشكَ الشريف قبل أنْ تُوارى الثرى، وقد وقف بكَ رجالات بني هاشم ليودعوكَ عند جدّكَ بعد شهادتكَ كإياه مسمومًا مظلومًا.. ونيّف وسبعون رجلًا هي عدّة أصحاب أخيكَ الحسين (عليه السلام) في كربلاء، أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه.. ونيّف وسبعون رجلًا هم أنصار وارث الأنبياء والأولياء، وصاحب النصر المؤزّر في الأرض والسماء، مَنْ سيملأ الأرض عدلًا بعدما مُلئت جورًا.. نيّف وسبعون، ولكلّ منها حكاية، وبينها خيط خفي كخيوط الفجر نستبين به الأبيض من الأسود والحقّ من الباطل.. تُرى ماذا تُخبرنا تلك الرواية؟ في خضمّ حياة شريفة عظيمة زاخرة بفنون الطاعات والقربات، وبعد مرور سبع وأربعين سنة من عمره المبارك، حلّ القضاء بساحة سليل الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام).. قال جدّكَ (صلّى الله عليه وآله) وهو يسِمُ أوصياءَه بخاتَمِ الشهادة: "ما منّا إلّا مقتول أو مسموم"(1).. وها أنتَ تنتضي وسام الشهيد المسموم، أول أئمة أهل البيت (عليهم السلام) استشهادًا بهذا السلاح الخفيّ الخبيث الغادر الذي يفتك بالجسد من دون أنْ يبارز، فيأخذه غيلة وغدرًا، وكم هي جديرة بقاتليكَ تلك الصفات.. لكن حقد الشجرة الخبيثة على شجرتكم الطيّبة لا ينقضي، فها هم يتهيّؤون لينقضّوا على جثمانكَ الطاهر بعد شهادتكَ ليمنعوكَ من الرقود إلى جانب جدّكَ، وتنهال السهام كالمطر على نعشكَ الشريف: نيّف وسبعون سهمًا! ويأمر أخوكَ ووصيّكَ وصنوكَ الحسين (عليه السلام) بني هاشم بأنْ يتّجهوا صوب البقيع ليواروا جثمانكَ الطاهر هناك، فوصيّتكَ أنْ لا تُهرق في أمركَ محجمة دم، فأنتَ الذي حقنتَ دماء الشيعة بعهدكَ الحكيم، ولولاكَ لما أبقى أولياء الشيطان على وجه الأرض منهم أحدًا.. التحقتَ بأمّكَ الزهراء (عليها السلام) التي لاقت ربّها ساخطة عليهم شاكية إليه أمرها وأمركَ، رقدتَ بجوار جدّتكَ فاطمة بنت أسد (عليها السلام)، كافلة النبي وأمّ الوصي، وبجوار عمّكَ حمزة أسد الله وأسد رسوله، رقدتَ بسلامٍ آمنًا بعدما ألقيتَ حملكَ الثقيل على كتفيْ شقيقكَ سيّد الشهداء (عليه السلام).. هل هكذا يا أمّة السوء تتقرّبون إلى نبيّ الرحمة والهدى وتجازونه بعدما أخرجكم من الظلمات إلى النور؟ هل هكذا تكون المودّة في القربى: سهامٌ تشكّ جثمان السبط الأكبر بعدد شهداء بدر الكبرى؟ ويكبر السؤال، ويطلّ القدر برأسه الوحشي على صحراء نينوى؛ ليختار ثُلّة من الأصفياء فينحرهم على مذبح الفداء، قربانًا لإحياء دين جدّكَ المصطفى يا معزّ المؤمنين. لقد رسموا بمسارهم مسار كلّ شهيد إلى يوم يُبعثون، وبُعثوا شهداء بدرٍ أحياء كأنّهم ما ماتوا قطّ، وكيف لا يفعلون وهم السابقون واللاحقون، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أحياء عند ربّهم يُرزقون؟ ليس غريبًا أنْ تكون عدّتهم كعدّتهم، فهم على نهجهم سائرون، ولهم في كلّ عصر بشر بهم يقتدون.. وكيف لا يفعلون وقد جعل الله تعالى الأنبياء والرسل هداةً لأقوامهم، وجعل محمّدًا (صلّى الله عليه وآله) هدى للعالمين كلّهم، وأوصياءه (عليهم السلام) من بعده دالّين على ما أتى به من حقّ مبين، وحافظين لنهجه من الزيغ والضلال، وأنصارَهم منارات يقتدي بها كلّ مَن أراد أنْ يتّبع هداهم، حتى إذا بلغ السيل الزبى، ووصل الأمر إلى آخر وصيّ لآخر نبيّ، وامتدّت الدهور لتحتوي بلاءه الفريد، وانتظاره المديد، أتى الله بقوم يحبّهم ويحبّونه، أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم، فكانوا هم الأنصار الأبرار لصاحب الأمر والقرار، والتفّت حولهم سائر الأمصار لتجاهد بين يديه، وتختم بالنيّف والسبعين الآخرين ثلّة الأنوار.. نيّف وسبعون في كربلاء مضوا على خطى نيّف وسبعين في بدر؛ ليثأروا لنيّف وسبعين أصابت قلب الأمة إذ أصابت جثمانكَ العزيز يا أيّها العزيز، وكرّت السنون والقرون لتخلف نيّفًا وسبعين ثائرًا يردّون بدمهم وصوتهم الهادر على نداء السبطين ما بين المدينة وكربلاء وذي طوى: "أما من طالب حقّ ينصرنا؟"(2) فيعيدون الحقّ إلى نصابه، ويرسمون بنصرتهم لإمامهم درب السعادة للبشرية أجمعين، بعدما اشتبهت الدروب وضلّت القلوب، فأشرقت بهم شمس الحقيقة لتزيل الغموم والكروب وتكشف المحجوب... وتتردّد ما بين أروقة التاريخ أصواتنا تخاطب كلّ حبيب وعزيز من أنبيائنا وأئمتنا، وهم الذادة والقادة وأسباب عزّتنا، بدءًا بالمصطفى والمرتضى والمجتبى وسيّد الشهداء، حتى الإمام المنتظر (عليهم السلام) صاحب العدل الإلهي وحامل اللواء: )يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ( (يوسف:88) ............ (1) الأنوار البهيّة: ص322. (2) حياة الإمام الحسين (عليه السلام): ج3، ص274.