حليف القرآن في محراب الشّهادة

هدى نصر المفرجيّ/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 7

في دهاليز التاريخ الأموي حينما استسلم الجميع لليأس، خرج زيد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام) ذاك الذي لُقّب بـ(حليف القرآن) لا لأنّه حفظ آياته فحسب، بل لأنّه استنشق روحه حتى صار القرآن يمشي على قدمين، شاهرًا سيف الحقّ في وجه الطغيان في الكوفة حيث تفوح رائحة الوفاء الممزوج بمرارة الغدر التاريخي. ثار زيد بن عليّ (عليهما السلام) ولم يكن يطلب ملكًا زائلًا أو قصرًا مشيدًا، بل كان يحمل إرث جدّه الحسين (عليه السلام) في دمائه حيث يرى الشريعة تُنحر على أعتاب القصور، والعدل يغترب في وطنه نطق: "والله ما كره قومٌ قطّ حرّ السيوف إلّا ذلّوا"(1)، وبهذه الكلمات لم يخطب زيد (عليه السلام) في الأبدان بل استنهض الأرواح التي ران عليها غبار الخوف، وكانت ثورته زلزالًا هزّ أركان الخلافة الأموية ليس بعدد المقاتلين بل بنبالة المقصد، وحين دقّت ساعة الصفر كان زيد (عليه السلام) يتقدّم الصفوف يحيط به القرّاء والفقهاء، أولئك الذين عرفوا أنّ العبادة ليست مجرّد ركوع وسجود، بل هي وقوف في وجه الظالم، كان يقاتل بقلب يملؤه اليقين فيرى الشهادة بوّابة إلى لقاء الأحبّة لا نهاية للرحلة، وبصمود أسطوري حيث كان سيفه يحكي قصص البطولات الهاشمية الغابرة، ومثلما يشاء القدر في ملاحم السباق إلى الجنّة، أصاب سهمٌ محتوم جبهته الشريفة، تلك الجبهة التي لم تسجد إلّا لله تعالى، ولم تنحنِ لغير جلاله، فرحل زيد جسدًا لكنّ الخصوم خافوا من طيفه حتى وهو تحت التراب فاجترحوا في حقّه ما نأت عنه المروءة، وأخرجوا جسده الطاهر من مرقده، صلبوه ثم أحرقوه وذرّوا رماده في الرياح، وظنّوا أنّهم بمحو الجسد يمحون الثورة، ولم يدركوا أنّهم جعلوا من زيد (عليه السلام) هواءً يستنشقه كلّ ثائر، ورمادًا ينبت في كلّ أرض حرّة، لقد استحال زيد (عليه السلام) من رجل يُحارب إلى قضية تُعاش، فلم يكن استشهاده هزيمة عسكرية، بل كان انتصارًا أخلاقيًا كشف زيف السلطة وعرّى جبروتها، هو الثائر الذي قرّر أنْ يكتب الحرّية بدمه، ولمّا بلغ الإمام الصادق (عليه السلام) خبر استشهاده قال: "إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، عند اللّه أحتسب عمّي، إنّه كان نِعم العمّ، إنّ عمّي كان رجلًا لدنيانا وآخرتنا، مضى واللّه عمّي شهيدًا كشهداء استشهدوا مع رسول اللّه وعليّ والحسين صلوات اللّه عليهم"(2). ............ (1) التاريخ الإسلامي: ص 103. (2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج1، ص252.