رياض الزهراء العدد 233 أنصار الحسين (عليه السلام)
أنصار من العاشر إلى الأربعين
لم تنتهِ حكاية شهداء الطفّ من الأنصار في يوم العاشر من محرّم الحرام، بل هناك أنصار ابتدأت نصرتهم بعد شهادة سيّد الشهداء (عليه السلام)، فبين العاشر من المحرّم وأربعين الحسين (عليه السلام) قامت ثلّة من الموالين والمحبّين بالالتحاق بالركب الحسيني، يلبّون نداء أبي الأحرار (عليهم السلام) وإنْ حاولت السلطة الطاغية أنْ تثنيهم عن مرادهم بكلّ ما أُوتيت من جبروت، فكان أول مَن التحق بأبي عبد الله الحسين (عليه السلام) سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي؛ إذ صُرع فأُثخن بالجراح، فوقع بين القتلى مغمىً عليه، حتى إذا سمع القوم يتنادون: قُتل الحسين (عليه السلام) أفاق، فوجد معه سكينًا وقد أخذ القوم سيفه، فقاتلهم بسكينه ساعة، ثم قُتل(1)، فأراد الله سبحانه أنْ يتمّ نعمته على هذا العبد بأنْ أعاد إليه وعيه، وأمدّه بقوة قاتل بها ساعة بعد أنْ أتعبه نزف الدم حتى ظنّوه قتيلًا، فهنيئًا له هذا الشرف، ثم تلاه الأنصاري الهفهاف بن المهنّد الراسبي، إذ وصل إلى كربلاء قادمًا من البصرة بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، ورأى الخيام تحترق، فقاتل جيش الظلم وقتل منهم عددًا قبل أنْ يستشهد، ملبّيًا نداء أبي الأحرار (عليه السلام): "هل من ناصر ينصرنا"(2). الأنصار على طريق الأربعين وكان من أوائل الناصرين للإمام الحسين (عليه السلام) عبد الله بن عفيف الأزديّ، العابد الزاهد صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي فقد عينه اليسرى يوم الجمل والأخرى في يوم صفّين، ولم يمنعه كبر سنّه وذهاب بصره من الدفاع عن بني رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فاستُشهد يوم (12) من المحرّم عام (61هـ) بعد أنْ أرسل صرخته في مسجد الكوفة في وجه ابن زياد: (واغوثاه، أين أولاد المهاجرين والأنصار لينتقموا من طاغيتكَ)(3)؛ ليقف بعدها وحيدًا متأسيًا بإمامه الحسين (عليه السلام) يدور بسيفه وقد أحاط به الأعداء، وهو يرتجز: أنا ابن ذي الفضل عفيف طاهرِ عفيف شيخي وابن أمّ عامرِ كم دارع من جمعهم وحاسرِ وبطل جدّتله مغاورِ(4) فسلام على البصير المستنير العارف الذي رأى ما لم يرَ المبصرون المتخاذلون الذين لم يستجيبوا لواعية الإمام الحسين (عليه السلام). السلام على جميع الأنصار على درب الأربعين الذين نعلمهم والذين لم نعلمهم، سلام على الراهب النصراني الذي استضاف الرأس الشريف، فدفع كلّ ما يدّخر للجند ليتبرّك به ولينصر الإمام الحسين (عليه السلام) بإسلامه(5)، سلام على سهل بن سعد الساعدي الذي دفع للظالمين المال ليقدّموا الرؤوس الشريفة أمام السبايا ملبّيًا طلب السيّدة سكينة بنت الحسين (عليهما السلام) في الاحتجاب عن الأعين حين دخل موكب بيت الرسالة الشام (6)، فتحيّة الله وسلامه على ثلّة الصالحين، الشهداء الباذلين أنفسهم في سبيل الله ورسوله وآله، والمواسين للزهراء (عليها السلام) بأجسادهم وأرواحهم، سلام على مَن سلكوا درب الخلود وتركوا التضحيات دروسًا، فأمام ما قدّموه لا يمكن للمرء أنْ يدّخر نصرًا إلّا وبذله لسيّد الأحرار (عليه السلام). ........... (1) مقتل الحسين (عليه السلام)، أبو مخنف الأزدي: ص160. (2) اللهوف على قتلى الطفوف: ص79-78. (3) تنقيح المقال في علم الرجال: ج3، ص299. (4) المصدر نفسه. (5) بحار الأنوار: ج45، ص303. (6) بحار الأنوار: ج45، ص127.