سر الصندوق المثقوب

زهراء سالم الجبوريّ/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 6

في زوايا السوق القديمة حيث تتراكم البضائع وتتعالى أصوات الباعة، كان هناك تاجرٌ يُدعى (منصور)، كان منصور رجلاً يرى في التجارة ميزانًا للصدق؛ يبيع أجود ما عنده بسعر عادل، لكن ميزانه لم يكن يُثقل بقطع من الذهب مثلما يتمنّى، فقلّت أرباحه حتى أصبحت بالكاد تسدّ رمقه. وذات مساء وبينما كان يلملم بقايا بضاعته بقلب يملؤه الضيق، مرَّ بجانبه (عاصم) تاجرٌ يشتهر بالثراء الفاحش وسعة الرزق، لكنّه في السوق كان يُعرف بدهائه الذي يتجاوز حدود الأمانة. نظر (عاصم) إلى وجه (منصور) الشاحب، ثم ضحك ضحكة باردة وقال: _ يا منصور، أرى في عينيكَ حزن الفقر، فما بالكَ تشكو من قلّة الربح وأنتَ بين يديكَ مفاتيح الرزق؟ _ أجابه (منصور) بمرارة: البضاعة كاسدة، والناس لم تعد تهتمّ بالجودة، فكيف أربح ولا مال عندي؟ مال (عاصم) نحوه، وخفض صوته كمَن يلقي سرًّا خطيرًا: يا صاحبي، السوق لا يحترم الصادقين، فنمّق السلعة، جمّلها بالكلمات البرّاقة وأخفِ عيوبها تحت أثواب من الكذب، غشَّ الناس واجعلهم يظنّون أنّهم اشتروا كنوزًا وهي بضاعةٌ رخيصة، هكذا تربح وتصبح من أثرياء القوم. وقف (منصور) صامتًا، وسرعان ما غادر (عاصم) وهو يقهقه تاركًا بذور السمّ في أذن (منصور). عاد (منصور) إلى منزله تلك الليلة وصندوقُ ماله يثقلُ كاهله أكثر ممّا يثقل جيبه، كان الصخبُ في السوق قد خفت، لكنّ صدى كلمات (عاصم) وضحكات الزبائن المخدوعين كان يضجُّ في رأسه كأجراسٍ لا تتوقّف. دخل البيت فاستقبله والده بوقار الشيوخ الذين يقرؤون تقلّباتِ الأيام في ملامح الوجوه، وقال له بصوتٍ هادئ كأنّه يقرأ كتابًا مفتوحًا: أرى في ملامحكَ يا بنيّ ثقلًا لا تزيحه دنانير العالم، أفرغ ما في قلبكَ مثلما تفرغ بضاعتكَ، فالبيتُ لا يتّسعُ لأمرين: رزق حرام، وصدر ضيّق. جلس (منصور) أمام والده وانهارت سدود الصمت، حكى له ما دار بينه وبين (عاصم) وكيف ألحَّ عليه بضرورة تنميق السلعة وغشّ الناس، وكيف استجاب لغوايته ليرى الذهب يتدفّق في صندوقه، انتظر (منصور) أنْ يصرخ والده في وجهه، أو أنْ يطرده من حضرته، لكنّ الأب ظلّ هادئًا يقلّب مسبحته ببطء. وبعد صمت طويل رفع الأب رأسه وقال: _يا بني، إنّ التاجر الذي يغشّ الناس لا يغشّ إلّا نفسه، فالسوقُ دارُ اختبار، والمالُ الذي ينمو على خديعةٍ هو كالنبتةِ التي تقتات على جذورها، تنمو يومًا لتزهر زيفًا، ثم تذبل سريعًا لأنّها فقدت أصلها، فتنهّد وأكمل: إنّ (عاصمًا) لم ينصحكَ بالربح، بل نصحكَ بالخسارة المؤبّدة، إنّ الذهب الذي يُجمع بالخديعة تذهبُ بركته، ويترك في النفس ندوبًا لا يداويها ثراء، اعلم أنّ النميق الذي أراده لكَ هو قناع من زجاج، وما أسرعَ ما ينكسر الزجاج إذا تعرّض لضوء الحقيقة، فالرزق القليلُ مع راحة الضمير خيرٌ من قنطار من الذهب يجعلكَ تخشى انعكاس صورتكَ في المرآة. أضاف الوالد بنبرةٍ حازمة: عُد إلى ميزانكَ الحقّ، ولا تبعْ طمأنينة روحكَ بحفنة من متاع زائل، فالناسُ قد ينسون جودة السلعة، لكنّهم لا ينسون أبدًا مَن صدقهم حين كان الجميع يكذبون، كنْ أنتَ الاستثناء في هذا السوق الذي استباح فيه بعضهم أمانتهم. أطبق (منصور) جفنيه، كأنّ كلام والده غسل الغبار الذي علق بروحه طوال النهار، أدرك حينها أنّ الصراع النفسي الذي كان يعيشه لم يكن سوى نداء فطرته التي ترفضُ أنْ تتلوّث بالحرام، وأنّ نصيحة والده لم تكن مجرّد موعظة، بل كانت طوق النجاة الذي أعاده إلى رشده.