رياض الزهراء العدد 233 طفلك مرآتك
حين يصبح الصّمت لغة الأبناء: كيف نصنع مساحة آمنة للبوح؟
ليس من السهل على الأهل أنْ يدركوا متى بدأت المسافة بينهم وبين أبنائهم تكبر، فهي لا تظهر فجأة، ولا تُعلن عن نفسها بشكل مباشر، بل تتشكّل بهدوء عَبر صمت متراكم، وأسئلة لا تُجاب، وحديث يُؤجَّل من يوم إلى آخر، وفي كثير من الأحيان لا ينتبه الأهل إلى هذه المسافة إلّا عندما يصبح الابن أكثر تحفّظًا، وأقلّ كلامًا، وأكثر ميلًا إلى إخفاء تفاصيل حياته، لكنّ في الحقيقة أنّ الأبناء لا يُولدون بالصمت، ولا يختارونه أولًا، بل يتعلّمونه تدريجيًا من أول تجربة شعروا فيها أنّ الكلام لم يكن آمنًا مثلما توقّعوا. اللحظة الأولى تصنع كلّ شيء في العلاقة بين الأهل والأبناء هناك لحظة واحدة قد تغيّر مسار العلاقة بالكامل: لحظة البوح الأولى، عندما يأتي الطفل أو المراهق ليحكي موقفًا ما، أو يعترف بخطأ، أو يفصح عن تجربة محرجة، فهو لا يكون في حالة راحة كاملة، بل في حالة اختبار داخلي دقيق: هل استمرّ بالكلام أم أتوقّف؟ في هذه اللحظة لا يكون محتوى الكلام هو الأهمّ، بل طريقة الاستقبال؛ لأنّ الطفل لا يسمع الكلمات فقط، بل يقرأ الوجوه، ونبرة الصوت، حتى الصمت، فردّة فعل واحدة غير محسوبة، كالصوت المرتفع، أو نظرة استغراب، أو تعليق سريع قد تكون كافية لإغلاق باب الكلام ليس في تلك اللحظة فقط، بل لسنوات طويلة؛ لأنّ الطفل يتعلّم بسرعة أنّ الكلام هنا له ثمن؛ لهذا يصبح الهدوء في لحظة الاستماع لغة أمان غير منطوقة، فقولي لطفلكِ: يمكنكَ أنْ تتحدّث ولن يُحكم عليكَ. البيت: مساحة أمان أم مساحة خوف؟ الفرق بين بيت يُنتج أبناء صريحين وبيت يُنتج أبناء كتومين لا يكمن في القوانين أو التوجيهات، بل في المناخ النفسي العام، فهناك بيوت يشعر فيها الأبناء أنّ أيّ خطأ يرتكبونه سيُقابل بعاصفة من الردّ والعقاب، وهناك بيوت يشعر فيها الطفل أنّ الخطأ يمكن أنْ يُفهم قبل أنْ يُدان. ففي الحالة الأولى يتعلّم الطفل أنّ الصمت هو الوسيلة الأكثر أمانًا، ومع الوقت يتحوّل الصمت إلى عادة، ثم إلى نمط حياة، أمّا في الحالة الثانية، فيتعلّم أنّ الخطأ يمكن أنْ يُناقش، وأنّ الحوار لا يعني الخطر. كسر صورة الكمال من أكثر ما يخلق الحاجز بين الأهل وأبنائهم هو صورة الكمال التي يُظهرها الكبار أحيانًا من دون قصد، فعندما يعتقد الطفل أنّ والديه لا يُخطئان، فإنّه يبدأ في رؤية الخطأ على أنّه شيء خطير يجب إخفاؤه؛ لهذا من المفيد أنْ يُشارك الأهل أبناءهم بعض تجاربهم الشخصية، حتى البسيطة منها التي ارتكبوا فيها أخطاء وتعلّموا منها، فهذا الأمر لا يُضعف مكانة الأهل، بل يجعلهم أقرب وأكثر إنسانية في نظر أبنائهم، حينها سيدرك الطفل أنّ الخطأ ليس نهاية العلاقة، بل جزءًا من التجربة. أخطاء تقتل الصراحة من أكثر الأخطاء التربوية شيوعًا التوبيخ الفوري عند سماع الاعتراف، فهذا النوع من الردود يجعل الطفل يربط بين الصدق والعقاب، فيبدأ تدريجيًا بتفضيل الصمت. وخطأ آخر لا يقلّ خطورة هو استخدام ما يقوله الطفل لاحقًا ضدّه، سواء في النقاش أو في الغضب، لكن ما يُقال في لحظة صدق عفوية يجب أنْ يبقى في إطار الأمان، لا أنْ يتحوّل إلى وسيلة ضغط على الطفل، فهذا النوع من التصرّفات يهدم ثقة الطفل بأهله حتى لو بدا تأثيره غير مباشر. ماذا يحتاج الطفل حين يتحدّث؟ الطفل حين يقرّر أنْ يتحدّث لا يحتاج إلى تحليل طويل بقدر ما يحتاج إلى شعور واحد وهو الأمان، الأمان بأنّه لن يُرفض، ولن يُدان بسبب خطأ، وأنّ الحديث لن يتحوّل إلى تهديد، حتى العبارات البسيطة تصنع فرقًا كبيرًا، كقولكِ: أنا سعيدة لأنّكَ قلتَ الحقيقة، فالمهمّ أنّكَ أخبرتني ولم تخفِ عنّي، فهذه الجمل البسيطة لا تغيّر الموقف فقط، بل تغيّر طريقة تفكير الطفل تجاه نفسه وتجاه الكلام. متى يبدأ الصمت؟ الصمت لا يأتي فجأة، بل يتشكّل تدريجيًا، يبدأ من موقف لم يُستقبل بشكل جيد، ثم يتكرّر، ثم يتحوّل إلى خبرة داخلية تقول للطفل: من الأفضل ألّا أتكلّم، ومع الوقت لا يعود الصمت رفضًا للكلام، بل وسيلة حماية. إنّ العلاقة بين الأهل والأبناء تُبنى من التفاصيل الصغيرة، لا من القرارات الكبيرة، في أول ردّة فعل، في نبرة الصوت، في لحظة الصمت، وفي طريقة استقبال الحقيقة. الطفل الذي يتحدّث اليوم بثقة هو طفل تعلّم أنّ صوته لنْ يُقابل بالخوف، أمّا الطفل الذي يصمت، فهو غالبًا طفل جرّب الكلام مرّة ولم يشعر بالأمان الكافي للاستمرار، فالمسافة بين الصمت والبوح تبدأ من أول كلمة، وأول استقبال.