رياض الزهراء العدد 233 إسقاطات ذاتية
صدى الأربعين
لا ينتهي هذا الموج الصاخب في داخلي، أعود لا مثلما خرجتُ، بل كمَن فقد كلّ شيء في الطريق.. تتثاقل خطواتي كأنّني ظلٌّ بلا جسد.. أعبر هذه المدينة التي كانت موطني ولم تعد تعرفني.. أصواتٌ كنتُ أسمعها مع كلّ أذان كأنّها رنينٌ من الجنّة، أصبحت اليوم صدىً بعيدًا لا يُجاب. يدي فارغة، والفراغ يتّسع بي.. أمضي وحدي بلا سند، بلا كافل نحو قبلتي هناك، وأنا أقترب من الأربعين كأنّ الطريق يعيدني إلى الجرح الأول، في كلّ خطوةٍ أخطوها تعيد إليّ الصدى، وصدىً لا يشبه إلّا اسمكَ يا أخي.. إنّي أسير الآن في طريق طويل عنكَ، وفي صمتٍ مطبق، لكن الضجيج في داخلي لا يهدأ.. في كلّ خطوة، في كلّ (يا حسين)، في كلّ صرخة (يا زينب)، تعود المشاهد كأنّها لم تغب، أكاد أسمع صوتها تمضي بهذه الطرق، وعلى كاهلها ألف غصّة، وألف حكاية، وآلام لا تُحصى.. أَتُسبى ابنةُ سيّدة النساء (عليها السام) ويُدار بها في البلدان؟ أَتُسبى أختُ سيّد الشهداء (عليه السلام)؟ كلّما مرّ بي وجع، ينهض صوتها في داخلي كغيمةٍ مثقلةٍ بالرعد، في ساحةٍ ازدحمت بالشهداء، حين انحنت ورفعت جسد أخيها، وقالت بثباتٍ لا ينكسر: "إلهي إنْ كان هذا يرضيكَ فخذْ حتى ترضى"(1) ومنذ ذلك الصوت كلّما جزعتُ، سألتُ نفسي: كيف أقتدي بمولاتي زينب (عليها السلام) وهي قد تحمّلت ما لا يُحتمل ومضت ثابتة؟ كيف شهرت سيف كلماتها في وجه الطغيان كأنّها نحرٌ في حرم الظلم، ولم تتخلَّ عن موقفها ولا عن ثباتها؟ فأيُّ عالم هذا الذي حمل قسوته عليها ولا يزال قائمًا؟! ............ (1) مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) للمقرّم: ص289.