رياض الزهراء العدد 233 تاج الأصحاء
من التربية إلى التزكية
تتزاحم النظريات النفسية والتربوية المعاصرة، حتى نجد أنفسنا غالبًا أمام مقاربات مادّية تتعامل مع الإنسان بوصفه مجرّد استجابة عصبيّة أو سلوكيّة لمجموعة من المؤثّرات الخارجية، هذا الاختزال البراغماتي الذي ساد طويلًا في المدارس السلوكية والمعرفية قدّم حلولًا لضبط السلوك الظاهري، لكنّه ترك الجوهر الإنساني في حالة من الفراغ والتشظّي، وهي حالة من تفتّت الوعي وانقسام الهويّة(1)، إذ يفقد فيها الفرد قدرته على الربط بين منظومته القيميّة وسلوكه اليومي، فيتوزّع بين مؤثّرات متعارضة تُضعف اتّساقه النفسي ووحدة شخصيته، ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى الانتقال من مفهوم التربية بمعناها الوظيفي المحدود إلى التزكية بوصفها منهجية وجودية شاملة، تعيد صياغة النمو النفسي من الداخل إلى الخارج، وتتجاوز التزكية في جوهرها فكرة الطقوس الروحية المجرّدة؛ لتستحيل إلى أعمق عملية للهندسة النفسية التي يمكن أنْ يخضع لها الإنسان؛ فهي تُمثّل المصداق النفسي والتربوي لقوله تعالى: )قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا( (الشمس:9-10)، فالفلاح في هذا السياق يتجسّد في تلك القدرة الفائقة على صيانة الكيان المعنوي للفرد من التدسية، ويشير مفهوم التدسية إلى طمس الفطرة وإضعاف استعداد الإنسان للخير(2)، وتحت ركام المادّيات والمؤثّرات المشوّهة للفطرة، وبينما تسعى التربية التقليدية إلى تكييف الطفل مع بيئته عبر آليات الثواب والعقاب، تعمل التزكية على بناء المرجعية الذاتية وهي: اعتماد الفرد على معاييره الداخلية في التقييم واتّخاذ القرار بدلًا من الخضوع للضغوط الخارجية أو السعي إلى القبول الاجتماعي(3). التزكية تمنح الطفل بوصلة داخلية صلبة لا تتأثّر بتبدّل الظروف أو غياب الرقابة، ممّا ينقل بؤرة الاهتمام من رصد ما يفعله الطفل إلى رعاية مَن يكون هذا الطفل في عمقه الوجودي، انطلاقًا من مبدأ كونه صفحةً بيضاء نستطيع أن نملأها بالمعارف والمهارات لتكون جاهزة لتحقيق معاييرنا إلى غاية ما. وتتفوّق التزكية على التعليم، فتذكر الآية الكريمة: )وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَة( (آل عمران: 164)، إذ قدّمت التزكية على التعليم، وقد بدأ علم النفس الحديث يدرك متأخّرًا كيف أنّ الذكاء الإدراكيّ كالعاطفيّ حين يفتقر إلى القيم المعنوية يبقى محدود الفعّالية، بينما يأتي مفهوم التزكية ليقدّم هذا الإطار بدقّة متناهية حين يربط النمو العقلي والعاطفي بسلامة البناء الداخلي، أو ما يُعرف بالقلب السليم، ومن هذا المنظور لا يُعدّ القلق أو التشتّت الذي يعاني منه جيل اليوم مجرّد أعراض لاضطرابات نفسية تستدعي تعديلًا سلوكيًا بقدر ما يقدّمها بوصفها إشارات دالّة على (الاستلاب النفسيّ)، وهو شعور الإنسان بالاغتراب عن ذاته، فتصبح أفعاله انعكاسًا لضغوط خارجية بدلًا من أنْ تكون تعبيرًا عن إرادته(4)، ومن ثم يصل إلى اغتراب حادّ عن الفطرة المتوازنة، فبناء إنسان متكامل قادر على الصمود في وجه السيولة الأخلاقية التي يفرضها العصر يفرض على المربّي التحوّل من دور الموجّه السلوكي إلى الميسّر للوعي، ويمثّل هذا التحوّل انتقالًا في الدور التربويّ من التركيز على ضبط السلوك الظاهري إلى دعم بناء الوعي الداخلي وتحمّل المسؤولية(5)، فالمربّي هنا لا يفرض، بل يهيّئ بيئة تساعد الفرد على الفهم والاختيار، وهذا يتطلّب ممارسة والديّة تقوم على حكمة التدبير، تلك التي تترفّع عن فرض السلطة لكسر الإرادة، وتستبدلها بالحوار التوافقي سبيلًا لبناء الضمير الحيّ، فحين نربّي عَبر إعطاء مساحة للتفكّر، فنحن نمنح الطفل المناعة النفسية التي تقيه من الانقياد الأعمى، وتؤهّله لفرز الغثّ من السمين بحرّية مسؤولة، ووعي نافذ. ........... (1) Liquid Modernity: 82ــ90p. (2) المفردات في غريب القرآن: ص315. (3) Man's Search for Meaning: p104-110. (4) The Sane Society: 120ـ135p. (5) Freedom to Learn: 105ـ115p.