جهاد الكلمة: صدى الحق في وجه الطغيان

كوثر حسين العريفاوي/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 13

لقد عظُمت الكلمة في ميزان القيم حتى ضاهت السيوف حدّةً، وفاقت الجيوش قدرةً على فرض الحقّ وتجسيده في الوجدان الإنساني. إنّ إطلاق الكلمة في وقت الأزمات ومواجهة الصعاب بها، يُعدُّ جهادًا لا يقلّ أثرًا عن الجهاد بالسيف، فاختيار الوقت والمكان المناسبين لبثّها هو فنٌّ رفيع، يشبه تمامًا فنون القتال منْ أجل الإصلاح حين تكون الحكمة هي القائد، والصدق هو السلاح الأمضى. ونحن نلتمس في الكتاب الكريم عظمة شأن الكلمة، إذ تتجلّى رحمة الله الواسعة في قوله سبحانه: )فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ( (طه:44)، فتذكير الظالم وتنبيهه برفق يعكس مدى اللطف الإلهي بالعباد، فهي محاولة ربّانية لإلقاء الحجّة عليه قبل فوات الأوان، وفتح باب للرجوع لعلّ القلب القاسي يلين ببرد الهداية، فهذا المنهج الإلهي هو ذاته الذي صاغ دور الأنبياء (عليهم السلام) الذين جاهدوا بحمل أمانة الهداية عَبر الكلمة، واقتحموا بها أعتاب أشدّ الناس قسوة وطغيانًا بقلوب مفعمة بالإيمان وبثقة لا تتزعزع، يقينًا بأنّ الحقّ سينتصر ولو بعد حين، وأنّ الواجب المحتوم هو أداء فرض الحقّ والصدع بالصدق مهما بلغت التضحيات. ومن مدرسة الأنبياء (عليهم السلام) نصل إلى كربلاء لنرى سيّد الشهداء (عليه السلام) واقفًا أمام جيش العدوّ، باسطًا كفّه بالرحمة، مُذكّرًا إياهم بشرع ربّهم، وداعيًا إياهم للعودة إلى الفطرة، لم يبتدئهم بالسيف، ولم يأتِهم بجيش جرّار ليدكّ حصونهم، بل أتاهم بكلّ ما يحمل من إرث النبوة مجاهدًا بلسانه وبيانه؛ لكنّه لم يجد فيهم سوى قلوب خاوية وسيوف متعطّشة لسفك الدماء، وعلى الرغم من ذلك لم يتراجع، بل بذل مهجته ليستنقذ عباد الله سبحانه من الجهالة وحيرة الضلالة، فإنْ كان لابدّ من الموت في سبيل الله تعالى، فهو أرقى وأشرف من العيش تحت جناح الذلّ والانتهاك. إنّ أثر الكلمة لا يحدّه وقت، بل هو شعاعٌ يرافق جميع الأزمنة ويجدّد نوره عَبر العصور، فقد تكون الكلمة منهجًا يحفظ الكرامة، أو شرارةً تنطلق على أثرها ثورةٌ كبرى ضدّ الباطل، فهي شمسٌ تستمدّ نورها من السماء، تضيء دروب المصلحين وتدكّ بوهجها عروش الطغاة.