رياض الزهراء العدد 233 الملف التعليمي
لا تربكوا المستقبل: السادس الإعدادي ليس حالة طوارئ
مع بداية العطلة الصيفية يتبدّل إيقاع الحياة في كثير من البيوت، لاسيّما تلك التي تضمّ طالبًا مُقبلًا على السادس الإعدادي، إذ لا يعود الصيف مجرّد فرصة للاستراحة، بل يتحوّل تدريجيًا إلى مساحة مشحونة بالتوقّعات والقلق، تتداخل فيها النوايا الطيّبة مع ضغوط الواقع، ويغلب عليها الاستعجال في رسم الطريق الدراسي قبل أنْ تبدأ الرحلة فعليًا. في هذا السياق، تتصاعد لغة السنة المصيرية، وتُفتح المعاهد والدروس الخصوصية مبكّرًا، حتى يُعاد تشكيل وعي الطالب على فكرة أنّ النجاح مرهون بتعدّد مصادر التعليم وكثافة الانشغال، غير أنّ هذا التصوّر وإنْ كان واسع الانتشار، فهو لا يعكس جوهر العملية التربوية، بل يكشف عن خلل في فهم طبيعة التعلّم ذاته. إنّ الطالب في هذه المرحلة لا يحتاج إلى تراكم معرفي مشتّت بقدر ما يحتاج إلى توازن نفسي ومعرفي متكامل، بخاصّة عندما يشعر بأنّه مُحاط بمراقبة دائمة لنتائجه ومقارنات مستمرّة مع الآخرين، فيتحوّل تدريجيًا من طالب يسعى إلى الفهم إلى طالب يطارده الخوف من الفشل والذي يُعرف من منظور تربوي بأنّه لا ينتج تفوّقًا، بل يعيد تشكيل السلوك على نحو دفاعي يحدّ من القدرة على التركيز والاستيعاب. ومن هنا يبرز الدور المحوري للأسرة، ليس بوصفها جهة دعم مادّي أو تنظيمي فحسب، بل بكونها بيئة دعم نفسي وعلمي، والذي لا يتجلّى بتكثيف الدورات أو تضخيم حجم الالتزامات، بل بتوفير مناخ هادئ، قائم على الطمأنينة والثقة، فالكلمة المشجّعة، والمساحة الآمنة، وتقليل المقارنات تُعدّ عناصر تربوية يفوق أثرها عشرات الوسائل التعليمية التقليدية، وفي المقابل يجب إعادة التأكيد على حقيقة تعليمية أساسية كثيرًا ما تُهمَل وسط هذا الزخم، ألا وهي أنّ الأسئلة الامتحانية تُصاغ من الكتاب المقرّر، مثلما أنّ الإجابات الأنموذجية تستند إليه بوصفه المرجع الأساسي، وهذه القاعدة ليست مجرّد تفصيل منهجي، بل تمثّل حجر الأساس في أيّ عملية تَعلّم ناجحة، غير أنّ الواقع يشير إلى أنّ الكثير من الطلبة يغادرون هذا الأصل نحو تعدّد المصادر؛ لينخرطوا في شبكة من الملازم والملخّصات ذات الأساليب المتباينة، ممّا يؤدّي إلى تشظّي المعرفة بدلًا من تراكمها، فتتحوّل الكثرة من عنصر دعم إلى عامل إرباك، فيفقد الطالب معه وضوح البنية المعرفية للمادّة. ومن منظور تربوي مهمّ: لا تُقاس كفاءة الطالب بعدد المصادر التي يراجعها، بل بقدرته على بناء فهم متماسك من مصدر أساسي واضح؛ لكون التعلّم الفعّال لا يقوم على التوسّع غير المنظّم، بل على العمق المعرفي والتدرّج الواعي، ومن ثم فإنّ اعتماد الكتاب المقرّر بوصفه محورًا رئيسًا، يُعدّ خطوة ضرورية لإعادة ضبط العملية التعليمية على أنْ تُستخدم المصادر الخارجية بوصفها أدوات مساعدة عند الحاجة، لا بدائل عن الأساس، مضافًا إلى أهمّية إدارة الوقت والتركيز بوصفهما عنصرًا حاسمًا في هذه المرحلة؛ لأنّ النجاح لا يرتبط بطول ساعات الدراسة بقدر ما يرتبط بجودة استثمارها، ممّا يعني أنّ ساعة واحدة من الفهم العميق قد تكون أكثر أثرًا من ساعات التكرار غير الواعي، وهنا تبرز أهمّية التخطيط الهادئ، والتوزيع المتوازن للجهد، والمراجعة المستمرّة التي تمنع من التراكم وتقلّل من الضغط النفسي. وفي السياق ذاته، ينبغي إعادة تعريف مفهوم الضغط الإيجابي داخل الأسرة، بخاصّة لدى العوائل التي تعتقد أنّ زيادة الضغط تدفع الطالب نحو الاجتهاد، إذ تُظهر الممارسة التربوية أنّ الضغط غير المنضبط يؤدّي غالبًا إلى نتائج عكسية، تتمثّل في التوتّر، وضعف التركيز، وتراجع الثقة بالنفس، وفي المقابل تخلق البيئة القائمة على الثقة والاحتواء دافعًا داخليًا أكثر استدامة وأعمق أثرًا، فهذه المرحلة الدراسية ليست معركة مع الزمن، ولا تنافسًا مع الآخرين، بل هي مرحلة انتقالية تتطلّب نضجًا معرفيًا وحكمةً إدارية، فالنجاح فيها لا يُصنع بكثرة الانشغال، بل بحسن التنظيم والفهم العميق وليس بتعدّد المصادر. حين يلتقي وعي الأهل مع وعي الطالب يتحوّل الدعم إلى طمأنينة، والتنظيم إلى أسلوب حياة؛ لتكون هذه المرحلة فرصة تربوية حقيقية لبناء شخصية قادرة على التعلّم والاستمرار بثبات من دون التأثّر بالتهويل المجتمعي.