موائد الخير في كربلاء المقدسة

وفاء عمر عاشور/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 47

الإطعام ليس مجرّد عادة تتناقلها المجتمعات الإسلامية، بل هو نبض خفيّ يسري في وجدانها، وقيمة أخلاقية تشرّبتها النفوس حتى غدت جزءًا من كيانها الإنساني، يفيض بمعاني الرحمة، ويترجم حاجة الروح إلى البذل كاحتياج الجسد إلى القوت، وتبدو هذه العادة غريبة في عيون مَن لم يألفها، فتثير تساؤلات خفيّة عن مقاصدها، كأنّ الكرم سرّ مبهم يحتاج إلى تأويل، بينما في المجتمع الإسلاميّ فطرة سلوك يفيض من دون انتظار مقابل. نشأ المؤمنون في مدرسة نبيّ الرحمة وعترته الطاهرة (صلوات الله عليهم أجمعين) التي تزخر بأحاديث عن تهذيب النفس وتزكيتها، فقد قال (صلّى الله عليه وآله): "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام"(1)، وفيها وعد يفيض رحمة، يجعل من إطعام الطعام جسرًا إلى الكرم الإلهي الأكبر، إذ كافأ النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) اللقيمات الفانية بجنّة عرضها السماوات والأرض، ولم يقف هذا المعنى عند الترغيب، بل تجلّى في كونه سبيلًا إلى محو أثقال الذنوب عن القلوب، فجاء عنه (صلّى الله عليه وآله): "إنّ من موجبات المغفرة بذل الطعام"(2)، فيغدو العطاء دواءً للروح، يخفّف عنها الذنوب، ويفتح لها منافذ الطمأنينة عَبر بوّابة الكرم والإحسان، ومن أبهى الصور التي يتجلّى فيها هذا المعنى ما تشهده ذكرى أربعينيّة الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ يُحضّر الطعام ويُطهى بدموع المؤمنين وهم يستذكرون ما جرى على الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته من فواجع أليمة لا نظير لها، ثمّ يُوزّع على المؤمنين وفيه الكثير من البركات كالتشافي من الأمراض ببركته، إذ يُطهى قربةً إلى الله تعالى وعلى حبّ سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأهمّ ما يميّز موائد الإطعام هذه أنْ لا تمايز فيها بين الغنيّ والفقير، والجميع سواء في الخدمة، يتنافسون في البذل والسخاء قربةً إلى الله تعالى، وعلى حبّ أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام)، إنّه منظر مهيب تكتسي فيه الطرق بالسواد، وتتجلّى فيه صور التكافل الاجتماعي، فتسود المحبّة بفعل الكرم والضيافة، وتتربّى النفس المؤمنة على العطاء والإحسان، وفي هذه الموائد تتجلّى المواساة بين المؤمنين، وتنسكب الحسرات على بعد الزمن الذي حال دون حضورهم الواقعة لنصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، فتدمع العيون وتقرح الجفون وتذوب القلوب لندائه (عليه السلام): "ألا من ناصر ينصرنا"(3)، فتعمل هذه الذكرى في توثيق عرى اللحمة بين أفراد المجتمع كافة، سواء من داخل البلاد أو من خارجها، فيصبح الجميع على قلب واحد، يهتفون بالحبّ والولاء لأهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ لتتحوّل المأساة إلى بانوراما إنسانية تجسّد النهضة المباركة، وتخلّد معانيها السامية. ............. (1) بحار الأنوار: ج75، ص 382. (2) الكافي: ج4، ص51. (3) اللهوف على قتلى الطفوف: ص56.