الضبط الأسري: أداة غير مفعلة
لا شكّ أنّ الأسرة تشكّل نواة المجتمع، وأول ما يجب العمل عليه وتطويره هي الروابط الأسرية، ففي عصر التكنولوجيا والعالم الرقمي، ازدادت الدراسات والأبحاث التي تتناول العلاقات الزوجية وكيفية تربية الأبناء، وهذه الدراسات لا تنفع ما لم يُعمل بها؛ لذلك نلاحظ مجتمعًا متفكّكًا ظاهريًا وداخليًا، إذ تجتمع العائلة على مائدة واحدة لكنّهم في الواقع منفصلين، فكم سمعنا بمراهقين بانت عليهم الاضطرابات النفسية الحادّة بشكل مفاجئ وقلبت حياتهم رأسًا على عقب، ومنهم مَن كاد يفقد حياته، والأهل مصدومون بما آل إليه حال أبنائهم، إذ كان يبدوا عليهم أنّهم بخير، إذ يقومون بما عليهم من واجبات كالصلاة والصيام ومساعدة الأهل، والاجتهاد في الدراسة، وغيرها من الأعمال، لكن في حقيقة الأمر لم تكن هناك مراقبة جيّدة ومتابعة لما يراه المراهق على مواقع التواصل من مقاطع أو ألعاب، ويحسب الأهل أنّ ابنهم أو ابنتهم بخير، لكنّ المراهق في الحقيقة يعاني من صراعات داخلية تبدأ من المقارنات بين ما هو موجود في واقعه وبين ما يوجد على مواقع التواصل. لا يمكن توجيه اللوم إلى فرد واحد مع صعوبة الظروف المعيشية وخروج الأب من المنزل لساعات طويلة لتوفير لقمة العيش، وكذلك الأمّ تعدّدت مسؤولياتها بين البيت وميدان العمل، ممّا جعل الطفل والمراهق ينشآن بشكل عشوائي، تارة في بيئة المدرسة أو في الشارع أو في مواقع التواصل التي تفرز أبناء لا يشبهون أهلهم من حيث الثقافة والعادات والتقاليد والتوجّهات الدينية والأخلاقية. إنّ غياب الأب عن معالجة ما يدور داخل المنزل، وضعف إدارة منظومة الأسرة وعدم تقسيم المَهامّ، يجعل الأمّ وحدها أمام مجموعة من الأطفال الذين يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام الدائم، لكن في كثير من الأحيان لا تتعدّى الأمّ كونها عاملة تلبّي احتياجات الأبناء الجسمية فقط كالطعام والشراب والملبس وغيرها، وهذا الخلل التربوي نابع من تقصيرين: الأول: عدم الصبر على تربية الأبناء، والثاني: الجري وراء المثالية المزيّفة. إنّ العملية التربوية تحتاج إلى الصبر والمصابرة بخاصّة في العصر الحالي، والصبر على ظهور النتيجة، فعندما يصدر من الطفل سلوك خاطئ، نرى بعض المربّين يحاولون ردعه فورًا وبقوة، لكن في الواقع تحتاج عملية ضبط سلوك واحد إلى مدّة طويلة، تبدأ بالنهي عن الفعل وتنتهي بإدراك الطفل مدى سوء عاقبة فعله، فالأمر لا يشبه ضغطة زرّ وينتهي السلوك الخاطئ لدى الطفل، مثلما نتعامل مع مواقع التواصل، بل عندما يلجأ المربّون إلى الزجر والقمع والضرب، يلجأ الطفل بدوره إلى الجانب الأكثر راحة وإلى مَن يبيح له هذا السلوك، والوجه الثاني للصبر هو الصبر على إلحاح الطفل، فأطفال اليوم يرون في مقاطع الفيديو كيف أنّ بعض الأطفال يحصلون على ما يريدون بسهولة، ممّا يجعل الطفل يقوم بتقليد هؤلاء الأطفال، أو يقلّد زملاءه في المدرسة، أو المقربّين منه، فيبدأ بالإلحاح على حصول ما يريد، والمشكلة تستشري عندما تخضع بعض الأمّهات لإلحاح أطفالهم، بخاصّة إذا كان الإلحاح مرافقًا للامتناع عن الأكل أو مصحوبًا بالبكاء المستمّر أو اتّهام العائلة بالتقصير تجاهه، أمّا لو رسم الأهل حدودًا واضحة وحازمة للطفل والتزموا بها، فأنّه سيعلم أنّه لا يستطيع إخضاع أهله لتحقيق كلّ ما يريد بأيّ شكل من الأشكال. في عصر الحداثة والتكنولوجيا لا يمكن حرمان الأبناء من كلّ مطالبهم، بل يجب استثمار احتياجاتهم لصالحهم مع وضع الحدود لما يتلقّونه، فالتربية اليوم ليست بالعملية السهلة مثلما كانت سابقًا، والأمر يحتاج إلى تطبيق أسس تربوية محدّدة ليكون تأثيرها قويًا، مع محاولة دمج الطفل في مجتمع سليم نفسيًا وأخلاقيًا بشكل دائم.