رياض الزهراء العدد 233 في ضيافة الرياض
حين تبصر الرّوح.. حكاية زهراء التي كتبت نورها بيدها
هناك مَن يتذمّر ولا يعطي النِعم حقّها بالشكر، لكن تبرز بعض الشخصيات لتغيّر هذه النظرة وتكون قدوة بين جيلها، كالطالبة المبصرة (زهراء حسين) التي فقدت بصرها، لكنّها صنعت ضياءً لا يخبو، فهي لم تنتظر النور بل صنعته بإرادتها وحافظت على بصيرتها التي قادتها نحو التفوّق والإبداع؛ لتكتب سيرتها بمداد الصبر والإرادة، إذ نسجت خيوط مسيرتها بين الدراسة والقراءة والكتابة؛ لتكون مثالًا حيًّا على أنّ القوة تُولد من قلب التحدّي. في هذا الصدد كان لمجلة رياض الزهراء (عليها السلام) حوار معها: بدايةً، كيف تصفين رحلتكِ مع فقدان البصر، ومتى أدركتِ أنّ هذا التحدّي لن يمنعكِ من التميّز؟ كانت رحلة معقّدة، مسالكها شائكة ومحفوفة بالصعوبات، في عالمٍ لم أعرف فيه سوى محبّة أسرتي والظلام الذي حرمني من الدراسة واللعب كبقية الأطفال، لكنّني أدركتُ أنّ هذا التحدّي يمكن أنْ يكون منطلقًا للتميّز والإبداع، ووسيلةً لاستثمار الإعاقة بوصفها أملًا لا ألمًا، بخاصّة حين التحقتُ بمعهد (نور الإمام الحسين-عليه السلام-للمكفوفين وضعاف البصر) بتاريخ: 12/ حزيران/ 2019م. كنتِ من الأوائل على مستوى العراق في المرحلة الابتدائية، وحصولكِ على معدل (98%) في الثالث المتوسّط إنجاز لافت، كيف كان نظامكِ الدراسي؟ وما الأدوات التي اعتمدتِ عليها؟ نعم، حصدتُ المركز الأول على مستوى العراق في الامتحانات الوزارية للمرحلة الابتدائية بفضل التوكّل على الله تعالى وحسن الظنّ به، إضافة إلى الدعم المتواصل من معلّماتي وتشجيع أسرتي على الاجتهاد وعدم الاستسلام، وفي الثالث المتوسّط بدأتُ بتنظيم وقتي ووضع جدول دراسي، والتحضير للامتحانات التمهيدية بمساعدة أختي الصغيرة، إذ كوّنتُ لنفسي مدرسة افتراضية داخل المنزل عن طريق الاعتماد على هاتفي المحمول عَبر منصّة يوتيوب والتسجيلات الصوتية التي يرسلها إليّ أصدقائي المبصرون، مثلما كانت أختي تصف لي المعادلات الكيميائية وترسمها على يدي بكلّ صبر. كيف تتعاملين مع المناهج الدراسية؟ وهل تواجهين صعوبة في الحصول على المصادر المسموعة؟ لا أبالي كثيرًا بصعوبة المناهج؛ لأنّ العلم وسيلتي لتحطيم قيود العجز، بخاصّة مع التطوّر التكنولوجي الذي سهلّ الوصول إلى المصادر. ما دور الأسرة والمعلّمين في دعمكِ؟ وهل شعرتِ يومًا أنّ المجتمع لا يفهم قدراتكِ؟ كيف تعاملتِ مع ذلك؟ إنّ العائلة لها دور كبير في تقديم الدعم المعنوي، مثلما أنّ فرحهم بتفوّقي يلهمني الدافع للاستمرار، أمّا أساتذتي فكانوا كالقناديل التي تبدّد ظلام العجز، لكن التعامل مع المجتمع كان صعبًا من نواحٍ عديدة، إلّا أنّني ألتزم الصمت لا عجزًا، بل لأجعل أفعالي وإنجازاتي هي الردّ. كونكِ قارئة نهمة، ما نوع الكتب التي تجذبكِ؟ وكيف تصفين علاقتكِ بالقراءة؟ أميل إلى الكتب التي تعين على التعافي وإعادة بناء الذات، والكتب التي تُعنى بجسم الإنسان بيولوجيًا، ويمكنني وصف علاقتي بالقراءة كالرابط بين الإنسان بالبصر، فالقراءة هي المرآة التي تعكس لقلبي ما لم ترَه عيناي، وبها عبرت حدود عالمي؛ لأنّ الكتب ليست وسيلة لتثقيف العقول فقط، بل هي مرسى للأرواح المتعبة، وصيدلية تداوي القلوب. هل الكتابة وسيلة للتعبير أم للنجاة بالنسبة إليكِ؟ وما الفكرة أو الرسالة التي تودّين تقديمها في روايتكِ التي ستبصر النور قريبًا؟ أعدّ الكتابة وسيلة تعبير اجتماعي، ونجاة فردية، إذ أفرّغ بها ما يثقل روحي وأنجو من عناء الكتمان، مثلما أنّني استلهمتُ فكرة روايتي من مشاكل المجتمع بهدف تسليط الضوء عليها، وركّزت على فكرة أنّ اختلافنا في الصفات الجسمانية لا يلغي وحدتنا وإمكاناتنا، ولابدّ من أنْ نحكّم عقولنا دائمًا. كيف تطوّرين أسلوبكِ الأدبي؟ وما أبرز التحدّيات أمام تطوير مهاراتكِ؟ أحاول تطوير أسلوبي الأدبي عن طريق تجسيد مشاعري وكتابتها بأسلوب مؤثّر، ومن أبرز الصعوبات التي واجهتني هي سلامة اللغة العربية، وقلّة الوسائل التي تساعد الكاتب على صقل مهاراته اللغوية. ما الحلم الذي تسعين إلى تحقيقه؟ وكيف ترين مستقبلكِ وطموحاتكِ الأكاديمية؟ أطمح لأنْ يكون قلمي صوتًا يخدم القيم والمبادئ، ولسانًا للأصوات التي أخمدها الظلم، مثلما أرى نفسي طالبة في كلية الآداب-قسم الترجمة وأنال شهادة الدكتوراه في هذا التخصّص؛ لأسكن الحروف والكلمات بين الأدب العربي والغربي. لو أتيح لكِ توجيه رسالة إلى نفسكِ في الماضي، فماذا تقولين؟ وما نصيحتكِ لكلّ فتاة تواجه ظروفًا صعبة؟ وكيف تحبّين أنْ يراكِ المجتمع؟ سأخبر نفسي بما وصلتُ إليه الآن كي تطمئنّ، وأهديها نجاحي ملفوفًا بأكاليل من الصبر. أمّا نصيحتي للفتيات، فأقول: إنّ التحدّيات تصنع القوة فلا تيأسي، انهضي لأنّ الحرب حربكِ والخصم ضعفكِ، وقراركِ هو مَن يصنع النتيجة. أحبّ أنْ يراني المجتمع بصفتي فتاة عرفت الحروف ببصيرتها، وصنعت منها صوتًا يعبّر عن أعماقها، لا ضريرة بل كاتبة صنعت نورها. ما الذي يمنحكِ الأمل؟ وهل تؤمنين بأنّ الإعاقة قد تتحوّل إلى مصدر قوة؟ شعوري بقرب الله تعالى ومعرفته بما في داخلي يمنحني الطمأنينة والأمل في أصعب اللحظات، وأنا موقنة تمام اليقين أنّ الإنسان يُصنع بعقله، والحواسّ مجرّد وسيلة، ويمكن تعويضها ببدائل يبتكرها العقل، بخاصّة أنّ التكنولوجيا عبّدت طريق المعرفة.