الهداية الإرائية

رجاء علي البوهاني/كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 6

تُعدّ النبوة من القضايا الأساسية في الفكر الديني، وتمثّل الأصل الثاني في العقيدة الإسلامية، إذ تُعدّ النبوة الوسيلة التي اختارها الله تعالى لهداية البشر وصلاحهم، ولا يمكن فهم دور النبي من دون إدراك ضرورة الوحي، وهذه المسألة من المسائل المهمّة التي تُبحث في علم الكلام؛ لما لها من ارتباط وثيق في بيان حكمته تعالى، وأنّ أفعاله سبحانه معلّلة بالغايات، فلم يخلق الإنسان عبثًا، إذ يقول تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (المؤمنون:115). وبما أنّ الهدف من خلق الإنسان هو الوصول به إلى السعادة الدائمة عن طريق اختيارية المسيرة التكاملية له، ولا يتحقّق ذلك إلّا بكمال العبودية لله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات:56)، ولتحقيق هذا الهدف زوّد الله تعالى الإنسان بعناصر الكمال، وجهّزه بما يستعين به في تحقيق اختارية الطريق من قوة التعقّل، والإدراك بالحسّ، والإرادة والقدرة، وأودع فيه من الغرائز والميول الباطنية؛ ليعدّه للوصول إلى الكمال المقرّب إليه، إلّا أنّ كل ذلك لم يكن كافيًا في تحقيق ضمان وصول الإنسان إلى الهدف والغاية من خلقه، فأرفده بحجّة الوحي ببعث الأنبياء (عليهم السلام) لتبليغ الناس ما أراده منهم من غير طريق الحسّ والعقل، فعن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه قال: "إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأمّا الباطنة فالعقول"(1). إنّ معارف البشر ومدركاتهم العادية والمتعارفة التي يحصلون عليها نتيجة التعاون بين الحسّ والعقل وإنْ كان لها دورها الفاعل في توفير ما يحتاجون إليه، لكنّها لا تكفي في التعرّف على طريق الكمال والسعادة الحقيقية في جميع المجالات الفردية والاجتماعية والمادّية والمعنوية(2)، فتحلّي الإنسان بالكمالات المعنوية وتهذيب النفس وتطهيرها من دنس الشوائب المادّية لا ينالها إلّا بالوقوف على المعارف الحقّة، فيقول تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (الجمعة:2)، فكانت وظيفة الأنبياء (عليهم السلام) هو البيان والتعليم والتزكية، وإراءة الطريق عَبر الهداية التشريعية، فبعث الله (عزّ وجلّ) للأنبياء لطف منه بعباده. ............. (1) الكافي: ج1، ص16. (2) دروس في العقيدة الإسلامية: ص208.