دعوة إلى التفكر

خلود ابراهيم البياتي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 46

في غمضة عينٍ كَبُر مَن كان طفلًا في المهد، وهَرم مَن كان في ريعان الشباب، وتغيّرت ملامح المدينة فلم تبق مثلما عهدناها، ولم نلبث أنْ وجدنا أنفسنا وسط مفردات وألفاظ جديدة لا نفقهُ منها شيئًا، كأنّنا تخلّفنا عن الركب لسنوات عديدة، فبدأنا نتهجّأ حروف الكلمات الجديدة باحثين عن المعاني؛ لنواكب ما يُسمّى بـ(عصر السرعة)، ذلك العصر الذي أسعد الجميع، فحلّقوا في سماء التطوّر السريع والتكنولوجيا التي لا نكاد نُتقن إحدى تقنياتها إلّا وظهر ما هو أحدث منها، ونحن في ذهولٍ من أمرنا؛ لنُسرع الخطى لاهثين نحاول إتقان الجديد مترقّبين الأحدث. لكن فلنتوقّف للحظات بسيطة وننظر إلى الصورة من الخارج، ونشاهد هول المنظر: شوارع مكتظّة بالسيارات، بيوت مليئة بكلّ أنواع الأثاث والأجهزة الكهربائية التي لا تخطر على بال أحد لتزيد من سرعة الحياة، فتلك الأواني والملابس لكلٍّ منهما جهاز غسيل خاصّ، بل حتى للخضروات جهاز يجفّفها من الماء الزائد! أجواء مشحونة بالضجيج من دون انقطاع، توصل أطراف الليل بأشعّة شمس الصباح، وبين هذا وذاك يكابد الإنسان مشاقّ الحياة؛ ليقتني المزيد من تلك الأدوات ويتباهى بها بين أقرانه ويجعلها مادّة إعلامية للاستعراض على مواقع التواصل الاجتماعي في حياة أصبحت أشبه بفقاعة الصابون التي لا تمكث إلّا برهة وتتلاشى بلا رجعة. وفي ظلّ هذه الحركة السريعة جدًا، لا يكون هناك متّسع من الوقت للتأمّل والتفكير، أو للإجابة عن أيّ سؤال يرد على البال، بل تجد الفرد يلتقط الهاتف المنقذ، فتأتي الإجابة قبل أنْ يرتدّ إليه طرفه؛ ليشعر بالفخر والسعادة أنّه اقتنص أنظار المحيطين بسبب ذاك الإنجاز الوهمي. يا لِهذا العالم المتسارع في كلّ شيء بشكل يدعو إلى التوجّس والخوف على أهمّ ميزات الإنسان، ألا وهي القدرة على التفكير، والتحليل، وتقييم الأهداف، ووضع الخُطط بحسب المتاح، فكلّ إجابة سريعة اصطناعيًا سيرافقها خمول في قدرة التفكير والإبداع وابتكار الحلول المناسبة، فيميل الفرد إلى الكسل عقليًا وجسديًا، فبمجرّد إعطائه أوامر صوتية، يستطيع الحصول على مراده بدون أدنى جهد في الكتابة حتى. تتعالى أصوات الكثيرين للتفكّر في الخطر المحدق بالأجيال القادمة إذا استمرّ السير على هذا المنوال، فتخيّلي لو أنّ خدمة الإنترنت توقّفت لبرهة من الزمان، فستشعر الأغلبية بالضياع وعدم القدرة على إكمال أيّ مَهمّة تحتاج القليل من التفكير في الحلول. هنا نرفع الصوت عاليًا في دعوة إلى التفكير والتأمّل في خلق الله سبحانه وتعالى؛ لندرك قيمة تلك النعمة العظيمة التي ميّزنا الله تعالى بها عن باقي مخلوقاته، فنترك بصمة إيجابية في مجتمع يستحقّ الأفضل.