النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وتجليات الرحمة العالمية في الخطاب القرآني

رحاب حسين العريفاوي/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 65

حرص القرآن الكريم على بيان مكانة الأنبياء (عليهم السلام) عن طريق ذكر قصصهم وجهادهم في سبيل إعلاء كلمة الله (عز وجل) وتبليغ رسالاته، ولما كان القرآن الكريم معجزة خاتم الرسل محمد (صلى الله عليه وآله) الذي خصه الله تعالى به دون خلقه، بين مكانة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) بوصفه المثل الأعلى والأكمل للإنسان الجامع لجميع مكارم الأخلاق والفضائل التي لا يضاهيه فيها أحد غير أهل بيته (عليهم السلام)، وفي مقدمتها الرحمة الشاملة لجميع الخلائق والكائنات، فوجوده المبارك فيض إلهي على الأكوان والعوالم المختلفة من المخلوقات جميعها لا على البشرية فقط، وبذلك صرح القرآن الكريم في خطاب الله تعالى لحبيبه المصطفى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً للْعَالَمينَ (الأنبياء:107)، إذ أكد الوحي المبين أن الرحمة الشاملة لجميع المخلوقات هي الغاية الكبرى من بعثة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، تلك الرحمة التي تفاض على البشرية بكل أطوارها، والتي تجلت بوضوح في دعوته المباركة، إذ قال تعالى: وَلَوْ كنتَ فَظا غَليظَ الْقَلْب لَانفَضوا منْ حَوْلكَ (آل عمران:159)، وقوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكمْ رَسول منْ أَنفسكمْ عَزيز عَلَيْه مَا عَنتمْ حَريص عَلَيْكم بالْمؤْمنينَ رَءوف رحيم (التوبة:128)، فالنص القرآني يقدم صورة جلية عن شخصية النبي (صلى الله عليه وآله) بوصفه الأب الرحيم لأمته يتألم لآلامهم، ويحرص على هدايتهم، ورحمة النبي (صلى الله عليه وآله) تجسدت في مواقف عديدة بدءًا من سيرته مع المستضعفين، مرورًا بعفوه عن المسيئين، وانتهاءً بتأسيسه لمجتمع قائم على التكافل والعدالة، فقد كان (صلى الله عليه وآله) حريصًا على الناس جميعًا، فحقت عليهم طاعته، إذ إن طاعته من طاعة الله (عز وجل)(2). وإلى جانب الرحمة بالهداية تتجلى الرحمة في أبعادها التربوية، ففي قوله تعالى: هوَ الذي بَعَثَ في الْأميينَ رَسولًا منْهمْ يَتْلو عَلَيْهمْ آيَاته وَيزَكيهمْ وَيعَلمهم الْكتَابَ وَالْحكْمَةَ (الجمعة:2)، تشكل التزكية والتعليم الركيزة الأساسية لبناء الإنسان الصالح، والرسالة الإسلامية إضافةً إلى كونها دعوة إلى العقيدة الحقة والهداية، فهي الشريعة التي تنقذ الناس من الهلاك وتخرجهم من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى، ومن حضيض الجهل إلى أوج العلم والحكمة(3)، فقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام) قوله في رسول الله (صلى الله عليه وآله): "بَعَثَه والناس ضلال في حَيْرَةٍ، وحَاطبونَ في فتْنَةٍ، قَد اسْتَهْوَتْهم الأَهْوَاء واسْتَزَلتْهم الْكبْريَاء، واسْتَخَفتْهم الْجَاهلية الْجَهْلَاء، حَيَارَى في زَلْزَالٍ منَ الأَمْر، وبَلَاءٍ منَ الْجَهْل، فَبَالَغَ (صَلى الله عَلَيْه وَآله) في النصيحَة، ومَضَى عَلَى الطريقَة ودَعَا إلَى الْحكْمَة والْمَوْعظَة الْحَسَنَة"(4). إن الرحمة التي تجلت في وجود النبي (صلى الله عليه وآله) دليل على عظمته وعلو منزلته، وقد ذكر (Michael H. Hart) في كتابه: إن اختياري محمدًا ليكون الأول في أهم رجال التاريخ وأعظمهم قد يدهش القراء، لكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي(5). حري بكل مؤمن ومؤمنة أنْ يستشعرا قلبهما الرحمة والرفق واللين في معاملاتهما الأسرية والاجتماعية لتوطيد أواصر العلاقات الإنسانية. ....... (1) الميزان في تفسير القرآن: ج14، ص331. (2) الميزان في تفسير القرآن: ج9، ص232. (3) الميزان في تفسير القرآن: ج19، ص266. (4) نهج البلاغة: ص117. (5) أعظم مائة رجل في التاريخ: ص13.