من (أبو طالب-عليه السلام) إلى (أناخت بِرحلك): رِحلة سينَمائِية بِعدسة مركزِ الكفيلِ للإنتاجِ الفني
لم تعد السينما الدينية تقتصر على توثيق الأحداث، بل أصبحت وسيلة مؤثّرة في حفظ الذاكرة التاريخية وإيصال حقائقها إلى الجمهور بلغة مصوّرة، ومن هنا أطلق (مركز الكفيل للإنتاج الفنّي) مشروعه السينمائي الذي تناول شخصيات إسلامية بارزة، وأحداثًا مفصلية في التاريخ الإسلامي والنهضة الحسينية، مقدّمًا تجربة متميّزة في مجال الأفلام التاريخية. مثّلت الأفلام السينمائية التي أنتجها (مركز الكفيل للإنتاج الفنّي) التابع لقسم الإعلام في العتبة العبّاسية المقدّسة تجربة رائدة في توظيف الفنّ السابع لخدمة التاريخ الإسلامي والقضية الحسينية عن طريق تقديم شخصيات وأحداث مفصلية بأسلوب (الديكودراما) وهو أسلوب يجمع بين التوثيق التاريخي والمعالجة الدرامية، وأُطلقت هذه التجربة في عام (2015م) بإنتاج فيلم (أبو طالب-عليه السلام) الذي تناول سيرة سيّد الأباطح أبي طالب بن عبد المطلب والد الإمام علي (عليهم السلام)، مسلّطًا الضوء على مواقفه الفريدة في نصرة النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) وحماية الدعوة الإسلامية في مراحلها الأولى؛ ليكون باكورة إنتاجات المركز في مجال الأفلام التاريخية. وفي العام (2016م) أنتج المركز فيلم (سيّدة قريش) الذي استعرض سيرة أمّ المؤمنين السيّدة خديجة الكبرى (عليها السلام) متناولًا دورها في نصرة الرسالة الإسلامية، وما بذلته من دعم مادّي ومعنوي في سبيل الدعوة، بلغت مدّة الفيلم (24) دقيقة و(50) ثانية، كتب السيناريو وأخرجه (أزهر خميس)، وصُوّرت مشاهد الفيلم في إيران ولبنان وسوريا، مع الاستعانة بعدد من الباحثين والمتخصّصين في التاريخ الإسلامي لضمان دقّة المعلومات التاريخية، وفي العام نفسه أنجز المركز فيلم (مالك الأشتر النخعي) الذي جسّد سيرة القائد الإسلامي والصحابي الجليل مالك الأشتر، أحد أبرز أصحاب الإمام علي (عليه السلام)، مجسّدًا مواقفه القيادية، والعسكرية، وولاءه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وصُوِّر في (المدينة السينمائية) في إيران بمشاركة ممثّلين عراقيين وإيرانيين، وواصل المركز الإنتاج السينمائي ليقدّم فيلم (رُوزبه) في العام (2019م)، وهو فيلم درامي تناول السيرة الذاتية للصحابي الجليل سلمان المحمدي (رضوان الله عليه) منذ نشأته في بلاد فارس ورحلته في البحث عن الحقيقة حتى لقائه بالنبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) واعتناقه الإسلام، كتب السيناريو وأخرجه (أزهر خميس)، واستغرق تصوير الفيلم (24) يومًا في مدينة (نور تابان) السينمائية في إيران، ثم عُرض للمرّة الأولى في المسرح الوطني ببغداد، ثم عُرض في الكويت ولبنان، وواصل المركز إنتاج الأفلام، منها فيلم (أناخت برحلكَ) الذي أُنجز في عام (2020م)، وتناول لقاء الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري (رضوان الله عليه) بموكب سبايا أهل البيت (عليهم السلام) العائد من الشام إلى كربلاء في العشرين من صفر، وقد اعتمد سيناريو الفيلم مصادر تاريخية خضعت للمراجعة العلمية، وصُوّرت مشاهده في بادية السماوة في العراق. حقّقت هذه الأفلام حضورًا مميّزًا في عدد من المهرجانات السينمائية، إذ افتتحت أفلام (رُوزبه) و(أناخت برحلكَ) و(ناعي يثرب) مهرجان (الأفلام السينمائية الحسينية القصيرة) الذي نظّمته (رابطة زووم للسينما والإعلام) في محافظة ميسان في أول مشاركة شرفية للعتبة العبّاسية المقدّسة في مهرجان يُعنى بالسينما الحسينية، وجاءت هذه المشاركة تقديرًا لجهود مركز الكفيل في إنتاج الأفلام التاريخية والحسينية، ودعمًا للمهرجانات التي تسهم في تطوير السينما المعنية بالتاريخ الإسلامي، وتشجيعًا للطاقات المنتجة، وكذلك شاركت هذه الأفلام في عدد آخر من المهرجانات، منها مهرجان (ربيع الشهادة) ومهرجان (مالمو- Malmö/ السويد)، ومهرجان (الغدير) ومهرجان (بابل)، وحصدت عددًا من الجوائز فيها. وبهذا المشروع أثبت (مركز الكفيل للإنتاج الفنّي) حضوره بوصفه أحد أبرز المؤسّسات المتخصّصة في إنتاج الأفلام الوثائقية التاريخية ذات البُعد الديني، مستثمرًا الإمكانات الفنّية والبحثية لتقديم أعمال تجمع بين الدقّة التاريخية والأسلوب السينمائي، وتسهم في توثيق الشخصيات الإسلامية والأحداث المفصلية في تاريخ الإسلام والنهضة الحسينية. تكشف تجربة (مركز الكفيل للإنتاج الفنّي) عن توجّه واضح نحو توظيف الفنّ السابع بوصفه وسيلة للتوثيق والتثقيف، ممّا يعزّز من حضور الشخصيات الإسلامية في الوعي المعاصر، ويؤكّد قدرة المؤسّسات الثقافية العراقية على إنتاج أعمال تاريخية تجمع بين الجودة الفنّية والرسالة الفكرية.