رياض الزهراء العدد 234 استطلاع رأي
تجليات (الرحمة المهداة) في البيوت المعاصرة: كيف نترجم السيرة النبوية الشريفة في واقعنا الأسري والتربوي؟
تتجلّى القيمة التربوية والاجتماعية العظمى في كتاب الله الحكيم حينما يوجّهنا إلى مَعين لا ينضب للاستقرار الأسري، وذلك في قوله تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب:21)، فهذه الآية الكريمة تُمثّل دعوة إلهية متجدّدة لصناعة بيئة أسرية تفيض بالمحبّة، مستلهمةً من تفاصيل حياة أعظم مربٍّ عرفته البشرية، ولكن كيف نقتدي بهذه الأسوة اليوم في ظلّ الواقع الرقمي المتسارع؟ في زمنٍ غزت فيه الشاشات الأسر حيث تجتمع العائلة في مكان توجد فيه جسدًا، بينما تعيش العقول والقلوب حالة من الاغتراب الصامت خلف الهواتف والأجهزة الذكية، ممّا يهدّد الروابط الأسرية والدفء التربوي الأصيل، في ظلّ هذا الواقع لم يعد استحضار الأخلاق النبوية مجرّد ترفٍ فكري أو سردٍ تاريخي للوعظ، بل أضحى ضرورة تربوية ملحّة لإعادة الدفء والتماسك إلى بيوتنا وعلاقاتنا، وبشأن هذا الموضوع وجّهنا سؤالًا للأمّهات والمربّيات: في زمن الجفاء الرقمي وانشغال الجميع بالأجهزة الذكية، كيف نُعيد إحياء السنن النبوية الاجتماعية داخل الأسرة، من قبيل صِلة الرحم، وإفشاء السلام، والتغافل عن الزلات؟ أجابت الأستاذة عبير سليم: علينا أنْ نعزّز الجانب الإيماني والتواصل الروحي مع الخالق، ونبحث عن موارد النماء في العمر، والمال، والعزوة، والسلام، ومن أهمّها صِلة الرحم، فيجب الاجتهاد من أجل تحقيق هذا الهدف مهما كان شاقًّأ ففيه الوفرة التي يرغب بها كلّ مَن يحتضن جهازه الإلكتروني ويعتقد أنّه يغنيه عن الأساسيات التي جعلها الله تعالى منبعًا لخيره وخير المجتمع. وقالت السيّدة آمنة الأسدي: يمكن إعادة السُنن النبوية الشريفة بشكل عملي ومتدرّج، وإحياء فريضة صِلة الرحم بطريقة ثابتة لا موسمية بانتظار المناسبات، بل لتكن صِلة الرحم عادة متكرّرة عَبر الاتّصال الأسبوعي، أو مأدبة شهرية، أو اجتماع عائلي بلا تكلّف، فالاستمرارية أهمّ من التكلّف، حتى الرسائل القصيرة الدافئة أو السؤال المباشر عن شخص محدّد يعيدان الشعور بالاهتمام الحقيقي، أمّا إفشاء السلام فهو عادة شعورية لا لفظية فقط، فكثير من البيوت صار أفرادها يدخلون وهم منشغلون بالشاشات، وإعادة إفشاء السلام تبدأ بخطوات حقيقية، كالنظر في الوجه، والابتسامة، والمصافحة، والسؤال البسيط، ثم صناعة مساحات بلا هواتف داخل المنزل: في أوقات الطعام، وفي النصف ساعة الأولى بعد الاجتماع في الزيارات العائلية. وعندما تزيد المقاطعة الرقمية يعود الحوار الطبيعي تلقائيًا، وتظهر القصص والذكريات والضحك الذي تبنى به القرابة، مثلما يجب التغافل عن الزلّات الصغيرة، فالأسرة الممتدّة لا تستمرّ بالمحاسبة الدقيقة، إضافة إلى أنّ جزءًا كبيرًا من المودّة قائم على التجاوز عن الأخطاء، والتغافل ليس ضعفًا، بل مهارة لحماية الروابط من الاستنزاف اليومي، فضلًا عن إعادة الأدوار الاجتماعية داخل العائلة، فالكبار ليسوا أقارب فقط، بل مصادر خبرة وذاكرة الزمن، والصغار يحتاجون إلى أنْ يشعروا بأنّ لهم مكانًا وتأثيرًا، فعندما يُعطى كلّ فرد دورًا في المناسبات والزيارات، تتحوّل الأسرة من مجموعة أفراد إلى كيان حيّ، والاقتداء العملي أكثر تأثيرًا من الوعظ، فالطفل الذي يرى والديه يصلان الرحم، ويتحدّثان باحترام عن الأقارب، ويسامحان الزلّات، يتشرّب هذه السُنن من دون محاضرات. إنّ استخدام التقنيات الحديثة يجب أنْ يكون لخدمة التقارب لا لاستبدال التواصل الحقيقي، كالتذكير بالمناسبات، والاطمئنان على قريب مريض، وترتيب اللقاءات العاءلية، فالتقنية تصبح نافعة عندما تقود إلى التواصل الحقيقي خارج الشاشة، فمن أجمل تجلّيات الاقتداء بالسيرة النبوية الشريفة أنّ العلاقات لا تُبنى على الكمال، بل على الرحمة وسعة الصدر، فكلّ بيت ينجح في تقليل القطيعة وتكثير السلام وتخفيف الحسّاسية، هو في الحقيقة يحيي جزءًا من السُّنة الشريفة في زمن يحتاجها بشدّة. وقالت السيّدة بيان مجيد/ كاتبة سيناريو: اليوم أصبحت عاداتنا عادات مكتسبة بسبب ما وصل إلينا عَبر التطوّر التكنولوجي، فصرنا نغيّر عاداتنا إلى غيرها للسهولة، وهذا خطر على المجتمعات المحافظة، فبعد مدّة من الزمن سنجد أنّ عاداتنا قد اندثرت واكتسبنا عادات أخرى، فيتحتّم على ثلاث منظومات أنْ تعمل لإنقاذ الأجيال القادمة: 1- منظومة الأسرة: إنّها المؤثّر الأول في حياة أفراد العائلة، إذ يترتّب على أولياء الأمور أنْ يحاولوا جعل البيت مفعمًا بالأجواء الدينية والأخلاقية. 2- المنظومة التعليمية: لها التأثير الكبير في غرس معالم الدين والأخلاق وتوجيه الفرد إلى السلوك الصحيح. 3- المنظومة المجتمعية: منها يتأثّر الأفراد في معظم سلوكياتهم، فإذا ما تفشّت في المجتمع عادة سيّئة، فذلك بسبب تهاون أفراد المجتمع النافذين، ممّن لديهم القدرة والسلطة على التغيير، وإنْ أدّت هذه المنظمومات دورها الإيجابي فقد أنشأنا جيلًا قادرًا على نقل المبادئ الدينية والعادات الأصيلة إلى العالم. وقالت السيّدة خيال الأسدي/ مُدرّسة: يبدأ إحياء السُنن والآداب الاجتماعية من إقصاء الأجهزة الذكية في اللقاءات العائلية، وإفشاء السلام بابتسامة تكسر الجمود الرقمي وتفتح قنوات الحوار المباشر، وتتحقّق صِلة الرحم عبر الزيارات العائلية وتقديم الهدايا حتى لوكانت رمزية، بدلًا من الاكتفاء بالرسائل والمنشورات الافتراضية الجافّة، مثلما يكتمل واجب صِلة الرحم بتفعيل أدب التغافل والتماس الأعذار لتجاوز الهفوات والزلّات، ممّا يحمي سلامة القلوب ويُديم الألفة والودّ الأسري، فضلًا عن تقديم الآباء قدوة عملية تُثبت للأبناء أنّ دفء الاجتماعات العائلية العفوية هو البديل الأجمل والأبقى عن عالم الإنترنت. إنّ الأخلاق النبوية والسُنن الاجتماعية تمتلك من الحيوية ما يجعلها هندسة روحية واجتماعية قادرة على ترميم ما أفسده الجفاء الرقمي في بيوتنا المعاصرة، وأنّ ترجمة الرحمة المهداة في واقعنا الأسري تبدأ بخطوات ومبادرات عملية شجاعة، كصناعة مساحات أسرية خالية من الهواتف، وتعزيز الحوار المباشر، وتكريس ثقافة العفو، فتبقى مسؤولية غرس هذه المبادئ مشروعًا مستدامًا يبدأ من البيت، لنخرّج أجيالًا تتقن لغة التواصل الإنساني.