حين يزهر ربيع سامراء

زبيدة طارق الكناني/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 1

في أول الربيع لا يأتي الفرح عابرًا، بل يمرّ من مرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام) كأنّه يعرف الطريق إلى القلوب. هنا، حيثُ يرقدُ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) تختلطُ الذكرى بالرجاء، ففي الثامن من شهر ربيع الأول حزنٌ لا يغيب، وفي التاسع منه فجرٌ لا ينطفئ، إذ يبدأ عهدُ إمامة الحجّة بن الحسن المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). سامرّاء لا تبكي فقط، إنّها تُنصت.. تُنصت لخطى الغائب الحاضر، وتُخبّئ في جدرانها وعدًا بأنّ الفجر مهما تأخّر، فسينبلج.. وفي الربيع يصبح المكان أكثر دفئًا، كأنّ القبّة تعود لتلمع بما خُبّئ فيها من دعاء، كأنّ الأرواح الزائرة تكتب على أبوابها: هنا يبدأ الأمل. هنا تُعلّمكِ الأرض المقدّسة أنّ الحزن ليس نهاية الحكاية، بل بداية فصلٍ آخر يُكتب بنورٍ خفيّ، وأنّ الدموع التي سقطت يوم الفقد، لم تكن إلّا بذورًا لفرحٍ سيكبر يومًا، ويُزهر انتظارًا لا يشبه الانتظار.. يا سامرّاء، يا مدينة تعلّمت كيف تجمع بين الدمع والبشارة، كيف تكونين في يومٍ واحدٍ مأتمًا، وموعدًا مع الفرح؟! وكيف يُمكن لغياب طويل أنْ يتحوّل إلى حضور أعمق من كلّ شيء؟! فيكِ لا تُقاس المسافات بالخطى، بل بمدى اقتراب القلب من اليقين.. وعند ضريح العسكريين (عليهما السلام) حين تلامس الجبينُ عتبةَ الرجاء، يشعر الزائر أنّ الزمن يتوقّف لحظة ليهمس له: لا شيء يضيع هنا.. كلُّ دعاءٍ محفوظ، وكلُّ دمعةٍ مسموعة، وكلُّ انتظارٍ مكتوبٌ له أنْ يكتمل ولا يكون الحديث عن الغياب حديث فَقْدٍ فقط، بل حديث وعدٍ ممتدّ، وأنّ الإمامة التي ابتدأت بالحزن، تستمرّ بالرجاء، وتُثمر يقينًا بأنّ العدل مهما تأخّر، فسيجد طريقه إلى الأرض.. نمرّ بسامراء فنحمل بين أيدينا حكايتين: حكاية وداعٍ ثقيل، وحكاية بدايةٍ تضيء آخر الطريق.. فنخرج منها ونحن نعرف أكثر أنّ الانتظار ليس صمتًا، بل إيمانًا يمشي على الأرض.. وأنّ القلوب التي تعلّقت هناك لن تعود مثلما كانت أبدًا.. في ربيع الأول لا نمرّ بكِ مثلما نحن، نمرّ ونحن نحمل في قلوبنا يقينًا أنّ الذي ابتدأ هنا، سيُكمل هنا، وأنّ الغائب وإنْ طال غيابه، فإنّ حضوره يسكن التفاصيل كلّها، وأنّ الفجر الذي وُعدتِ به، يقترب كلّما امتلأت الأرض بنداء: (يا صاحب الزمان)..